في غمرة المادة ، يوم اصبحت كلمات شرف ، نبل ، وامثالها ، اصطلاحات قديمة تأتي في الدور الثاني ، بعد كلمات ثروة ابهة لهو ومتعة ، اراني اتساءل هل بإمكاننا ان ننشئ جيلاً جديداً يعود الى انفة الامس والمثل العليا التي كانت لنا بالامس فيضع شرف النفس ، عدم الغش في المعاملة ، الترفع عن كل ما يشين ، في رأس برنامجه ؟
وكأنني بالفكرة تراود الناس في الشرق والغرب ، وكأنني بهؤلاء الذين يتألمون لهذا الانهيار الخلقي في كل مكان يعملون محاولين وضع حدّ له ، وذلك بخلق جيل جديد بعلمه وثقافته ، قديم بخلقه ومحافظته .
ومن اجمل ما يلاحظ المرء ان المدارس في الغرب ابتدأت تعنى عناية خاصة بتكوين خلق النشء وايقاظ روح الاستقامة والنبل في نفوسهم فراح بعضها بعد الاسئلة التي يدخل بها اعماق نفس الطفل ليرى مقدار ما احتوت هذه النفس الصغيرة من تفهم لمعاني الشرف والترفع .
ومن امتع هذه الدراسات ما فعلته مدرسة تحتوي جيشاً من الصغار فقد اعدت لهم السؤال الآتي ، وطلبت الجواب عليه خطياً ، وعينت جائزة جيدة لافضل جواب له ، وكان السؤال هكذا :
اذا رأيت امك في خطر الموت ، ولا يشفيها الا دواء معين ، وليس معك ثمن الدواء ، ولا تستطيع الحصول على الدراهم الا اذا عملت عملاً دنيئاً ، وفقدت شرفك ، فماذا تفعل .. ؟ ، هل تترك امك تموت ام ترتكب الدناءة وتفقد شرفك لتشتري الدواء .. ؟
وراح الاطفال يكتبون ، وراحت
المدرسة تستشف نفسياتهم من خلال اجوبتهم ، متأكدة ان الولد الذي يضع شرفه فوق حياة امه هو الرجل الذي يضع شرفه فوق كل شيء ... وتقول الصحيفة التي نشرت الحادث ، إن بعض الاولاد اجابوا ، سأشتري الدواء لأمي ثم اهرب الى مكان بعيد لا يعلم فيه احد ، انني فقدت شرفي وابتدى حياة جديدة ..
وكتب بعضهم ، إن حياة امي تساوي كل شرف يقدمه لي العالم ... ولكن الاكثريّة فضلت الشرف على حياة الام مع شدة حبها اياها ، اما الجواب النبيل الذي نال الجائزة فكان هذا : لن ابذل شرفي لمخلوق ، وان انا فعلت الان ذلك فستلاحظ امي وستعرف ولو لم يخبرها احد ، فتموت غماً ... إن امي تفضل الموت الف مرة على ان اشتري حياتها بهذا الثمن الغالي ، أن تعيش لتراني فاقداً شرفي .
وبعد ، فلقد تبدو هذه الكلمة كبيرة بالنسبة لصغارنا ، ولقد نقول : وماذا يفهم طفلي من هذه الكلمة الضخمة وفي اي سن يجب ان تذكر له ، والحقيقة ان الاطفال يفهمون اكثر مما نظن انهم يفعلون ، ويترفعون ويتعالون بمقدار ما نشرح لهم ، ونوجه ، ونوحي ، ثم نحاسب . واعتقد ان كلمة شرف يجب ان ترافق الطفل منذ اول عهده بالحياة ، وان تردد على مسامعه مقرونة بكل عمل شريف او دنيء ، يفعله .
فالطفل الذي يعتدي على اخته الانثى الصغيرة فيضربها مثلاً ، او على اخيه الاصغر فيأخذ لعبه ، لا يعمل عملاً شريفاً . والطفلة التي تختلس نصيب غيرها من الحلوى والفاكهة وتبدي منتهى الشراهة تعمل عملاً دنيئاً غير شريف ، والولد الذي يغش في دروسه ، يسرق عن رفيق له ، او يترك والديه يهيئان الدروس له ، ويدّعي انه هو الذي هيأه ، والولد الذي يخطىء ، ثم يلصق الخطأ بغيره ، والولد الذي لا
يساعد زميلاً له غير ذكي الا بعد ان يأخذ اجره ، ولو صورة او قلماً صغيراً ، هذه وامثالها اعمال اذا شرحت دناءتها مقرونة بكلمات الكبر والترفع ابتدأ الصغار يميزون بين الدناءة والنبل ويفهمون معنى الترفع والتسامي .
والشرف بعد ذلك انواع ، شرف النفس ، شرف الاسرة ، شرف الراية ، شرف المواطن . انها كلمات تحمل اثمن ما يستحق المرء ان يعيش لاجله ، وتستحق ايضاً الكثير من اهتمامنا لكي نتمكن من حفرها في صدور اولادنا .
شرف النفس ، شعاري هو ان ارتفع عن كل ما يشين ، في السر قبل العلانية ، ان اقف مرفوع الرأس لاعترف بخطأي دون لف او دوران ، مستعداً ان اتحمل نتائج هذا الخطأ ، ان ادفع الثمن لكي اتعلم الدرس واستفيد من العبرة ... انا شريف في معاملتي لا اغش في قول او عمل عندما اشبّ لن آكل خبزاً صنعته يدٌ غير يدي ، ان الفتى الذي يأكل خبزاً لم يصنعه بعرق جبينه هو مخلوق تافه لا يسحق الحياة ...
ان الطفل الذي يفهم هذا ويعمل به هو رجل الغد الذي يشق طريقه في الحياة وتفتح ابواب النجاح امامه ، هو امل الغد الذي يضع حجراً نظيفاً في اسّ دنياه الفاسدة .
شرف الاسرة ، انا فرد من مجموع ، جزء من كل ، ليست تصرفاتي ملكاً لنفسي بل لاسرتي ، كل ما افعله انا إن كان نبيلاً فنبله لها ولسمعتها ، وان كان مشيناً فشينه يلتصق بها وبسمعتها ، انا ابنها الذي انجبتني ، ما يعزني يعزها ، وما يذلني يذلها ، كل خطوة اخطوها نحو النجاح ، كل جهاد ، كل مثابرة ، كل صنع كريم هو لها ، كل شرف او رفعة انالها ، او دناءة او ضعة انحدر اليها هي لها ، فلن اكون سبب خزيها ... ان
