في ١٣ اوغست عام ١٧٩٩ حطم الاميرال « ديوي » باسطوله الاميركي ، اسطول اسبانيا ، في معركة بحرية على شواطيء مدينة « مانيلا » وزرع الراية الاميركية ، حيث اقتلع العلم الاسباني .
وفي ١٣ اوغست عام ١٩٣٩ كانت مدينة مانيلا تلبس اثواب الكرنفال ، تعيّد يوم ظفر الاميرال « ديوي » ، وكان يدخل « مانيلا » عن طريق مرفأها شخص يتبختر مزبطراً ، تحسبه الاميرال « ديوي » تقمّص وجاء يشهد العيد الذي يقام من اجله ، ويتذكر ذلك الفتح الذي سجلته له الدنيا في تاريخها .
ولو ان احداً هزّ عن نفس الشيخ « عجاج جاد الله » اسرارها ، لاكتشف ان الشيخ عجاج ، المتبختر المزبطرّ على رصيف مرفأ « مانيلا » ، يحسب نفسه ارفع منزلة من الاميرال « ديوي » ، كيف لا ، وهو من مشايخ جاد الله زعماء قرية « سحتوف » اللبنانية - منهم الشيخ فرهود العباس جاد الله الذي خنق النمر بيديه ، ومنهم الشيخ حسّون اسعد جاد الله الذي هزم جيش نابليون في عكا ، ومنهم الفارس الشيخ هوّاش جاد الله من برّح العطش بفرسه ، واعياه الماء ، ففتح وريد زنده وسقاها دمه ، ومنهم الشيخ جاد الله جاد الله ، الذي جاءه بيروتي يبغي شراء قطعة من اراضيه ليبني فيها « هوتال » فصاح به الشيخ جاد الله جاد الله ان كل اموال بيروت لا تشتري شعرة من ذنب
بقرة مشايخ جاد الله - تلك البقرة التي ماتت في العام الفائت ، وانه في وسعه ان يقتلع بيروت بنفخة ، ويطحنها بضربة ويفرقها ببصقة ، ويلعن دين المال الذي جرّ خواجات بيروت على وقاحة محاولة شراء املاك مشايخ لبنان .
وشيخنا عجاج لم يأت « مانيلا » سائحاً ولا فاتحاً ، فهو قد هجر لبنان حين تغيرت الدنيا واثرى ابناء « العامة » ، والمشايخ قلّ احترامهم . وحان زمن دفع الرهن عن املاكه ، فهجر لبنان الى اوستراليا ، حيث اكثر اولاد العرب من البيارتة الذين للمشايخ لا يقيمون وزناً ، ولا يعرفون عن بني جاد الله تاريخهم المجيد ، ولقد ضايق الشيخ عجاج هزؤهم به وهدّه الفقر فركب باخرة الى حيث لا يدري ، فلما القت مراسيها في « مانيلا » جاء القبطان وقال ان تذكرتك توصلك الى هذه المدينة ، وبخاطرك يا « صاحب الجلالة » بلى لقد لقبه ركاب ذلك البابور بـ « صاحب الجلالة » فقد كان الشيخ عجاج في مشيته ، وحديثه ، وركّزته كانه لا يزال الشيخ عجاج جاد الله يتحدث الى العامة في قرية « سحتوف » .
واحتمل صرّة ثيابه وانحدر من المركب فصاح به احدهم هازئاً « اما تبغي حمّالين لينقلوا حقائبك ؟ » اما سوّاقو « التكسي » فعلموا من زريّ ثيابه انه من « رأسماليّي البور » وهو لقب يطلقونه في الشرق الاقصى على البيض المعدمين الذين
الذين يقتاتون من فضلات موائد البواخر الراسية .
ومشى عجاج ينظر الى الزين ، والى اسم « ديوي » يبرق في كل مكان « من هو هذا الاميرال ديوي ؟ » تساءل الشيخ ؟ لعله من « عامة » الاميركان المحظوظين . حظه طيّب ان كان وراءه اسطول وبحارة . اعط مشايخ جاد الله اسطولاً وبحارة ، تر الدنيا اي مدن يفتتحون ، وقطع على الشيخ عجاج تخيلاته جوع بدأ ينهشه ، وارهفت شهيته رؤية المطاعم تحفل بالمآكل والآكلين ، وراح يطوف في المدينه ، واكثرها مقفل ، الى ان زلق الى الشارع الكبير حيث الانوار والمخازن الكبرى ، فاخذ يشيع نظره برؤية التحف والبضائع ، الى ان وقف نظره عند مخزن عظيم مفتوح الابواب ، فحدث نفسه ان حوانيت المدينة اذا قيست بهذا المخزن العظيم كعامة « سحتوف » ازاء مشايخ جاد الله . ولقد اعجبه هذا التشبيه فمشى نحو المخزن تتعجل خطاه حاسة غريبة فهمها حين رفع نظره الى الآرمة فقرأ « حسيب نبهان » . ترى أهو من بيت نبهان « السحّافة » ؟! وتطلع في المخزن فراعه المنظر - حرائر وجواهر ، ومرايا . وتحف ككنوز الف ليلة وليلة . ومستخدمون في أبهة كأنهم حاشية ملك . ولكن الشيخ لا يروعه شيء فاستعاد صوابه بعد دهشة المفاجأة ودخل المخزن ، ونقل قدميه على ذلك البلاط الملوّن ، فعاجله ضبع انساني وصاح به يريد طرده قائلاً ان صاحب المحل ليس هناك . وهذه العبارة يطردون بها الشحاذين البيض . فيبس الشيخ في ارضه وطار صوابه ، ولم يدر ماذا يفعل ، ولكن صوتاً كبوق دوى من داخل المحل انتهر الخادم بالاسبنيولية ، فتطلع الشيخ عجاج الى مصدر الصوت ، فاذا صلعة

