تتحرك صعداً ، تبعها عينان كمصباح اوتومبيل ، ثم ظهر شاربان كعصا الناطور وانفتح فم عن كلام عربي « لعلك ابن عرب يا ابني ؟ » وكان ذلك الكلام بلهجة لبنانية عليها طابع « سحتوف » . فطافت الثقة على نفس الشيخ عجاج ، وجمد مكانه ، بل شمخ وصاح كأنه يذيع « نحن ملك انكلترا وامبراطور الهند » ، وقال « انا الشيخ عجاج جاد الله » . اما صاحب الصلعة ـ حسيب نبهان ـ فبهت ، وضرب بكفه جبهته المجعّدة ، فكأنه لمس زراً كهربائياً غير منظور ، فشع مصباح انار ظلمة ماض بعيد ، اذ قفزت السنون القهقرى ، فاذا هو غلام في ضيعة « سحتوف » وابوه ناطور الضيعة ، واذا هو ذات يوم يلعب في « ساحة المشايخ » ـ مشايخ جاد الله . فيداهمه الشيخ عباس جاد الله بصيحة « الا تعرف ان ابناء العامة لا يلعبون في ساحات المشايخ » . ويتناول الشيخ عباس حجراً ويقذفه به ، فيصيب جبين حسيب نبهان ، ومرّ حسيب يده على تجاعيد جبينه من جديد ، فاذا بينها واد هو اثر جرح حجر الشيخ عباس ، فيه اختبأ الزر الكهربائي غير المنظور . وها هو ابن الشيخ عباس يطرد من مخزن حسيب نبهان ، وها هو حسيب نبهان في مخزن كحلم اليهودي ، بضاعة ، وبيعاً ، وزبائن ، وها هي اربعون سنة مضت على الغلام الجريح . ودارت الدنيا بحسيب واختلطت في نفسه العواطف من خيلاء بنجاح اصابه وعطف على فقير ، واحترام لمشيخة نشأ على تبجيلها ، ومروءة نحو شيخ منكوب ، وحنين الى الوطن كادت تطمس ذكراه السنون ، فداخ وما استفاق ، الا حين سمع الشيخ يتنحنح وهو ما زال منتصباً في مكانه ، فوثب حسيب الى ياقته فلبسها ، وطوق عنقه بربطة رقبة ، ثم تناول سترته من الحائط فادخل في كميها ذراعين غليظين كجسرين ، واهوى على
حذائه فشدّه ، وتقدم بكل خشوع الى الشيخ عجاج وانحنى مسلماً « كيف حال جنابك يا سيدنا الشيخ عجاج ؟ » . اي موسيقى كانت تلك الكلمات في اذني
الشيخ التائه . بارك الله في هذه المدينة حيث يعرفون القاب الناس ، ومقامات الناس ، ولعن الله اوستراليا حيث لا يعرفون مراكز الرجال . وتمهل الشيخ

٤٦