الف دولار ، قصر في « سحتوت » وقصر في بيروت - خدم وحشم وخيول ونيابة في مجلس بيروت . ستزوره الامراء ، ويستقبله الجليون بالحدا والقواس . غريب كيف تهبط الثروة على الشيخ عجاج جاد الله فلا يخفق قلبه ، ولا يحمر وجهه ، ولا يرتجف صوته . وفجأة لمعت عيناه ، وشع منها نور غريب .
« مشايخ جاد الله » فكر الشيخ « بنوا مجدهم على السيف ، والكرم ، والبأس ، والمروءات ، أوسخ اسمهم بمال جاء عن طريق اليانصيب ، من ورقة اعطاها ابن العامة ؟! . مئتين وخمسين الف دولار ؟! هاه !! ما هذا المبلغ التافه . ابن ناطورنا عنده اكثر منه . سيركبنا عار اليانصيب الى الابد . سينقطع الناس عن الاشادة بذكر مشايخ جاد الله ، ويلقبوننا « بيت بو يانصيب » كما لقبوا مشايخ « ابو راضي » بيت « ابو كبريت » وتاهت نظرات الشيخ عجاج واهتز جسده وسال الدم من انفه فصبغ شفتيه . ووقف على كرسيه ، كمن يرتقي منبراً ، وصاح في الناس خاطباً بالعربية : « ايها الناس ، جدي خنق النمر بكفيه ، جدي هزم نابليون ، جدي سقى فرسه من دمه جدي اغرق بيروت ببصقة ، وها انا امزق الورقة الرابحة ، فاشهدوا على انفة مشايخ جاد الله يا اهل الله » وتناول الورقة الرابحة فمزقها ورمى بقطعها ونزل عن كرسيه اما الناس فكانوا في هستيريا ايضاً اذ ان القضاة كانوا يذيعون النمر الرابحة ، - الجائزة الثانية ، مئة الف دولار ، الثالثة ... والجماهير في هياج وصياح ، فمن يصغي الى الخطب العربية في جمهور لا يعرف العربية . وكان الشيخ عجاج توقع ان يحمله الجمهور على الاكتاف ، ويهلوا له بالحدا « يا شيخنا ، يا شيخ عجاج » . فلما رأى انه لم يكترث به احد حنق ، وراح الى بيت حسيب نبهان ذلك الذي يعرف مقام الرجال وقدرها .
ودخل قصر حسيب كأنه زوبعة ، وكان هذا في المطبخ يلقي على الطباخ درساً في علم تحضير صحن « حمص بطحينة » فهجم عليه الشيخ وصاح « اتذكر ورقة اليانصيب التي قدمتها لي ؟ » اجاب حسيب « لقد تكرمت علي بعشرة يا شيخنا » . قال « ليس هذا هو الذي اقصد . اتذكر ان نمرتها ٧١٢٥٣٧ ؟ » اجاب حسيب « ربما . ولكني لا اذكر النمرة فقد كان بين يدي منها مئات » . صاح الشيخ عجاج « لا بأس إن انت لم تذكر النمر . إعلم انها ربحت ، وانني مزقت التذكرة » وارتقى كرسياً في المطبخ وخطب « ان امجاد مشايخ جاد الله لا تبنى على اليانصيب أفهمت ؟ ليفرح العامة والسوقة بمال يقذف في وجوههم ، اما نحن ، فبالسيف ، والبأس نبني . أفهمت »
اما حسيب فكان كل همه في تلك الساعة ان يتعلم طباخة صنع صحن الحمص بطحينة . فبقي ساكناً ولكنه تحقق حينئذ ان الشيخ عجاج مجنون من صحيح وطبعاً لم يصدق خبر تمزيق ورقة اليانصيب
مرت شهور خمسة ولم يتقدم احد بورقة اليانصيب الرابحة لقبض الجائزة من الحكومة . والقانون ينص على ان الجائزة تتحول الى صندوق الحكومة إن لم يظهر حامل التذكرة الرابحة خلال ستة اشهر . ولقد كثرت التقولات في آخر الامر إذ ادعى مئات ان الورقة كانت في حوزتهم وضاعت ، وجاؤوا بشهود وبينات وزور اناس آخرون تذاكر رابحة ، ولكن اخصائي الحكومة اكتشفوا امرهم ، وفي آخر يوم من الستة اشهر طلع صحافي شاطر على قرائه باعمدة ثمانية يخبرهم فيها ان مثرياً عظيماً اسر اليه ان النمرة الرابحة في حوزته ، وانه لا يرى من اللائق ان يستأثر بتلك الثروة الصغيرة ، وهو صاحب ثروة كبرى ، وانه يؤثر ان يبقى امره مكتوماً وان يعرفه الناس
باسم « المحسن المجهول » ، وانه يرجو الحكومة ان تبني بالمبلغ مستشفى . وزاد الصحافي بان اقترح ان يكون ذلك المستشفى للمجانين ، إذ زعم ان من يرفض ثروة ٢٥٠,٠٠٠ دولار ، غنياً كان ام فقيراً ، هو مجنون بلا ريب .
ولقد استأثرت الحكومة بالمبلغ وشادت مستشفى دعته « مستشفى المحسن المجهول » ، وخصصته باصحاب الامراض العقلية من مجانين ، ومخابيل ومعتوهين .
اما حسيب نبهان فلا يزال حتى اليوم صاحب التجارة العظمى وهو في كل يوم احد يحمل الهدايا من مآكل ، ودخان ويذهب الى « مستشفى المحسن المجهول » فيطلب مقابلة نمرو ٧١٣ فيدخل الغرفة ويقول « صباح الخير يا سيدنا الشيخ عجاج » فيرد هذا « اهلا بابن الناطور ، هل يعرف الناس ان جدي هزم جيوش نابليون في عكا ، وان جدي سقى فرسه من دمه ، وان جدي اغرق بيروت ببصقة ، وانني رميت بوجههم ٢٥٠,٠٠٠ دولار ؟! » .
- انهم يعرفون يا سيدنا الشيخ .
- وماذا فعلوا بالفلوس ؟
- بنوا مستشفى سموه باسمكم ، واشار حسيب باصبعه الى الرقعة على رتاج الباب فقرأ « مستشفى المحسن المجهول - الشيخ عجاج جاد الله . نمرو ٧١٣ » . فيبتسم الشيخ عجاج زهواً ويسأل عن معنى ٧١٣ ؟
- عدد محاسيبكم يا سيدنا الشيخ عجاج . فيضحك الشيخ ، ويسرغس . ويدق جرس ، ويصيع صوت « الزوار الى الخارج . انتهى وقت الزيارة » . فينحني حسيب نبهان ويقول باحترام ، سارجع الاحد القادم فاتشرف بسؤال خاطر جنابكم يا سيدنا الشيخ .
عن كتاب « نخب العدو »
