بالامس القريب وافق المجلس النيابي اللبناني على مشروع التجنيد الاجباري . وكان لبنان في تلك الساعة يسجل انتصاره الاول على التردد الذي رافق حياته طوال عدة اجيال .. ويوم تضع الحكومة اللبنانية مشروعها هذا موضع التنفيذ ، يسجل لبنان الانتصار الثاني على الخوف والشك وعلى الانهزامية التي جعلت حياتنا القومية ضئيلة فقيرة ، وساعة يمشي شباب هذا البلد ، جباهاً عالية ، وقامات منتصبة وأعصاباً هادئة ، صفوفاً صفوفاً على زغردات الامهات والزوجات والحبيبات ، نسجل آنذاك انتصارنا العظيم الاخير ، ونعيش في التاريخ كما تعيش الشعوب الكبيرة في التاريخ !
لقد كانت حياتنا القومية حتى اليوم فقيرة ، فانعدمت فينا القيم الخلقية التي تنمي الغرائز الكفاحية في الانسان ، وتربي فيه روح النضال والنظام ، والحياة الحرة الكريمة لا تتأتى الا للشعوب المناضلة ، المنظمة ، المدربة . والجندية ، بما فيها من صرامة ونظام ، تنمي هذه النزعات القومية في الشعوب ، وتخلق جيلاً جديداً يمتاز بروح المجالدة والمجاهدة .
اخواتي : انني اشعر بالضجة تثار في بيوتنا ، وبالذعر يدب في قلوبنا ويصل الى سمعي حديث بعض الناس قائلين : ولماذا التجنيد الاجباري ؟
من اجل هذا اوجه كلمتي اليوم من هذه المجلة الى المرأة اللبنانية اين كانت ، طالبة اليها ان تعي هذه القضية وعياً صحيحاً ، وتقدر اهمية هذه الخطوة المباركة في تاريخنا القومي المجيد ، لتبرهن بذلك على كفاءتها ، وعلى جدارتها بالحياة الحرة التي نجاهد اليوم من اجلها .
ان التجنيد الاجباري ، هو ظاهرة قومية في الامم التي تريد ان تحيا كريمة ، وانه اليوم ، في حياتنا هذه التي اصبحت مهددة من كل ناحية ، يصبح ضرورة ملحة يجب ان لا نتجاهلها ، وان لا نصغي الى الضعفاء فينا الذين يحاولون محاولتهم في كبت حيوية هذه الامة ...
نحن لا نريد للبنان امجاداً عسكرية وفتوحات عظيمة ، فان رسالة لبنان في العالم خير من الفتوحات . انه موطن الروح الاصيلة ونريده للحق دائماً موطناً خيّراً . ولكن الذي نريده للبنان لا نريده حقاً جباناً ، ولا نريد لبنان موطناً لروح حائرة يائسة .
نريد لبنان قوياً تتجمع فيه فضائل القوة الروحية ، وفضائل الخلق المتين ، والعقيدة القومية ، ونريد للبنان شباباً حرّاساً لهذه السماء الصافية ...
بورك شباب بلادنا ، يوم يجوعون ويعطشون ويصبرون على الجوع والعطش ويقطعون الجبال والسهول ، مشياً حثيثاً ، في البرد وفي الحر ، يفترشون التراب في العراء مع بنادقهم ومدافعهم ...
يومذاك ، يوم نقف كلنا على تراب وطننا نؤدي ضريبة الدم لكل شبر من ترابنا يضيع ، يصبح شباب بلادنا ابطالاً ، وامهات بلادنا امهات الابطال ، وتصبح بلادنا بلاداً عظيمة ...

