اجمع المؤرخون والكتاب والمترجمون على ان زواج ابراهام لنكولن رئيس الولايات المتحدة من ماري تود هو اشقى زواج عرفه رئيس حكومة. فلم يكد لنكولن يسلخ الاسبوع الاول من زواجه حتى كتب الى صموئيل مارشال رسالة يقول فيها: «لا توجد اخبار يتحدث الناس عنها غير زواجي الذي يبدو لي امراً عجيباً!» وهذه الرسالة محفوظة لدى جمعية شيكاغو التاريخية. وتحدثنا وليم هرندن، زميل لنكولن في المحاماة الذي عاش معه حقبة طويلة وخبره اكثر من كل الناس، عن حياته فيقول: «ما عرفت ان لنكولن سعد يوماً في العشرين سنة من حياته الزوجية!» ويعتقد هرندن ان زواج زميله كان احد اسباب آلامه الحادة ويأسه المرير الذي لازمه كل حياته. ويقول ديل كارنجي الذي ترجم لابراهام لنكولن، ان زواجه هو المأساة الوحيدة في حياته، فما هو سبب هذه المأساة يا ترى؟ ولماذا شقي الرجل هذا الشقاء المرير على حد قول المترجمين له؟

يسهب ديل كارنجي في سرد هذه الاسباب فيقول: لحظ لنكولن بعد زواجه ان البون شاسع بينه وبين زوجته وانها ضدان لا يتفقان. ضدان في الخلق والذوق والتحصيل العلمي بل ضدان في كافة الرغائب. فقد كانت ماري تود خريجة مدرسة في «كنتكي» خاصة باولاد الذوات لا يؤمها الا الذين يدينون بالعنجهية ويستكبرون على بقية الناس. وكانت تتكلم الفرنسية ببراعة فائقة وباللهجة الباريسية، كانت بحق اكثر فتيات «ايلينويز» ثقافة واوفرهن علماً، اما لنكولن فلم يرتاد المدرسة غير اثني عشر شهراً في كل سني حياته.
كانت ماري تود تعشق اللباس فتنتقي اجمل الازياء وازهى الالوان وتنفق في سبيلها المال الكثير لتشبع رغبتها ولم يك لنكولن ليعنى بهندامه يوماً بل كثيراً ما شوهد ماشياً في الطريق وفردة سرواله قد لحقت وركبته بينما تدلت الاخرى الى اخمص قدميه. وكانت ماري شديدة العناية بتزويق المائدة وبالمحافظة على اوقات الطعام، بينما كان زوجها دائم التغيب عن البيت وقلما وجد على المائدة في الساعة المعهودة وكثيراً ما كان يعمل السكين في الزبدة بسرعة وبطريقة تثير زوجته بل تدفعها الى الثورة والصياح. كانت شديدة الصلف كثيرة الكبرياء وكان هو وديعاً نبيلاً. وزادت على ذلك بغيرتها القاسية فقد كانت تضج وتعربد اذا رأت زوجها ينظر الى امرأة اخرى مما حمل المترجمين لها على الاشمئزاز والنفور من افعالها.
ومن طريف ما يروى ان لنكولن كتب الى ماري بعد اعلان خطبته منها رسالة يقول فيها بانه لا يحبها كثيراً وهو لذلك لا يستطيع الزواج بها واعطى الرسالة الى احد اصدقائه المقربين وهو «جوشوا سبيد» ليحملها اليها. ولكن جوشوا مزق الرسالة وقال له «اذهب وقل لها ذلك بنفسك. وذهب لنكولن وكشف دخيلته لماري ولكنها بكت وتألمت فما كان منه الا ان احتضنها
وغمرها بقبلاته طالباً الصفح لانه لم يكن يطيق رؤية امرأة تبكي...» وازفت ساعة العرس في اليوم الاول من شهر كانون الثاني سنة ١٨٤١ واعدت الكعكة وتقاطر المدعوون كما حضر القسيس ولكن لنكولن لم يحضر فما هو السبب؟ تحدثت اخت زوجته عن السبب قائلة: ان لنكولن فقد عقله، ويؤيدها زوجها ايضاً في ذلك. والتمسه اصدقاؤه في كل مكان فلم يجدوه حتى انبلج الصبح فعثروا عليه في مكان قصي وهو يهذي بكلمات متقطعة ولما سألوه عما فعل اجابهم: «لا اريد ان احيا بعد». والحقيقة انه غرق في بحر لجي من الكآبة واليأس واصابته السوداء حتى انه نظم قصيدة في الانتحار ونشرتها احدى جرائد «سبرنجفيلد» واخفى اصحابه عنه سكيناً مخافة ان يقتل نفسه.
وكتب لنكولن بعدئذ رسالة حزينة الى زميله في المحاماة وهو يومئذ في الكونكرس قائلاً:
«انني الآن اشقى انسان في الحياة ولو ان ما اشعر به من شقاء يوزع على الجنس البشري فانك لم تلق وجهاً صبوحاً ولا ثغراً باسماً على وجه الارض وليت ذلك لا يتحقق. من المحال ان ابقى كما انا لانني اما ان اموت او تصلح حالي».
وظل لنكولن سنتين على هذه الحال الى ان وفق احد اصدقائه بينه وبين ماري واقنعها بالزواج، ففعلا. ويحكى ان لنكولن كان يحتسي قهوة الصباح مرة في احد فنادق سبرنجفيلد ومعه زوجته وكثير من الرواد فقال لنكولن كلمة غضبت لها زوجته وقذفت على اثرها قدح القهوة في وجهه ولكنه لم ينبس ولم يقرعها وسارعت ربة الفندق فجاءت بمنديل وماء فغسل وجهه ونظف ثيابه.
ولكننا مع كل هذا يجب الا نمعن في لوم زوجة لنكولن ونفرط في لحيها فقد قادتها طبيعتها الثائرة ومزاجها الحاد الى الجنون بعد سنين وماتت وهي مجنونة. ويقول ديل كارنجي: ان الشيء الذي عرفته عن ابراهام لنكولن انه تحمل شقاء حياته الزوجية بصبر جميل وروح طويل مدة ثلاث وعشرين سنة لم يتذمر فيها او يتأفف بل تحمل الألم كالسيد المسيح بجسد وصبر طيب.
١٣