

هي بنية غريبة في سنتها الدراسية الاولى .
في كلامها جرأة تخالها ، لولا ثقة بالنفس ، تحدياً . وفي وقفتها وهي تجيبك على احد اسئلتك رفعة من بلغت من المنطق ما يخولها ان تجيبك اجابة صائبة ليس فيها لف ولا دوران .. سواء لديها اقتنعت ام لم تقتنع فهي قد ادلت اليك بما يجب ان تدلي وليس عليها اذا ما جادلتها إلا ان تعيد عليك ما قالت باصرار رصين .
وكنت لا اعلم عنها الا انها ذكية ، وان شخصيتها الغنية قد بدأت تطل من وراء حركاتها ، وكلماتها . وإلا .. انها تتلكأ في جلب ما يلزمها من ادوات مدرسية حتى لتكاد في بعض الأحيان تحوجني الى استعمال الشدة معها لكي لا يضيع عليها درس او يفوتها منه جديد .
وقلت لها مرة متوعدة مهددة اذا لم تأتي غداً بدفتر للاملاء فاني اضع لك فيها صفراً واخرجك من الصف طيلة وقت الأملاء .
فقالت غير متلعثمة ، ولكن ماذا عساي افعل اذا لم يعطني والدي ثمنه ؟ قلت فليعطك ... قالت وقد شع ناظراها اشعاعاً غريباً : ليس معه ثمنه ! فبثمن الدفتر يشتري لنا كيلواً من الخبز الأسود .
ورأيت تلميذة الى جانبها ترفع يدها مستأذنة لتقول :
ولكنها في كل يوم تأتي بخرجها لا تستثني يوماً واحداً .
فقاطعتها تلك محتجة ، ان هذا ليس خرجي ، قلت : وما هو اذن يا سعاد ؟ قالت :
وقد شمخت برأسها الى اعلا كأنما تتيه على الواشية بصدق ما تقول انها خمسة القروش التي هي ثمن فطوري من كل صباح !
قلت : أو تكفيك خمسة قروش للفطور ؟ قالت بلى ، اني اشتري بها كعكة كبيرة .
واحسست بدمعة تترأرأ في مقلتي على الرغم مني فعاليتها امام التلميذات او
على الأصح امام نفسي حتى لا اكون اضعف من هذه الطفلة التي استكانت لها الحياة استكانة الطائع وهي غير ملقية بالها اليها سواء اسلمتها ام لم تسالم .
واخذت انظر الى الوجه الشاحب والعينين العميقتين ، والقامة الهزيلة - الى القسمات الصلبة والنظرات الهادئة والجسم المستقيم ، اخذت انظر الى هذا كله وانا اعجب كيف تسنى لهذه الروح ان تمور وراء هذا الأهاب الضاوي .
ترى ؟ في اي جو من الأجواء تعيش هذه البنية ، وماذا يكتنف حياتها من احداث حتى انطبعت بهذه الانطباعات العجيبة ؟
اهو العوز اورثها الصدق والثقة والأتزان ، ام هو الذكاء تغلب على

