الحدثان الجسام فوقف حيالها هادئاً صامداً لا يمه غباء الشقاء ولا يطاله تضعضع المادة .
ام هي الأعصاب التي يمنحها الله لبعض الناس وكأنها قدت من فولاذ او ما هو اشد منه صلابة ؟
ما ادري إلا اني كنت معجبة بها اعجاباً ظهر اثره فيّ حتى رأيتني مرة اتعقب اثرها وكنت مارة صدفة في احد الأزقة الفقيرة ورأيتها توقف كهلاً رث الثياب يدفع امامه عربة تحمل شيئاً من ( الترمس ) ثم تسر اليه بكلمة ، ووقع نظرها عليّ فلم تتهيب بل استطالت بقامتها الصغيرة لتقول لي ، انه بابا .
ورأيتني منساقة لأسلم عليه ولاخبره ان ابنته من النجيبات ولكن لم يلق بالاً الى ما اقول فلقد كان جل همه منصرفاً الى ان يفهمني انه يعيل زوجاً وسبعة من الأبناء وان فيما تطلبه المدارس من ابنائه ليحمّله ما لا طاقة له به ..
وفتشت عن شخصية ابنته فيه فلم اجد لها اثراً اللهم الا في هذه الصراحة التي بادرتني بها - ورأيت في غضون وجهه شيئاً من الاستكانة المبررة لا هي باليأس ولا هي بالثورة ولا هي من القناعة بشيء .
ولكني قبل ان اودعه واذهب لشأني رأيت امرأة ضامرة الجسم مليحة القسمات اقرب ما تكون الى الفتاة اللعوب منها الى المرأة ذات الزوج والولد ، وما كادت تتوسطنا ويعرفها بي بائع الترمس حتى اخذت تهش لي وتبش وتلحف عليّ بالسؤال لأذهب معها الى بيتها القريب جداً واستريح قليلاً .
لقد كانت ام سعاد ، كانت امها ،
بلحمها ودمها ، ولكنها لم تكن امها قط في شخصيتها المستقلة او في خلالها الغراء - كانت تضغط يداً بيد وهي تتكلم - وعلى ثناياها المفترّة كان الفقر يتهدد حتى ينام ويختفي ، ولكن لحظت فيها شيئاً واحداً فقط ، هو هذه الثقة بالنفس ، هو هذا الايمان بما تريد وتفعل ..
ترى ، ماذا سيكون من امر هذه
الفتاة اذا ما تسنى لها متابعة دراستها فهمت اكثر ما تفهم ابنة الثانية ، ووعت اكثر ما تعي ابنة الازقة يجف بها هذا الذكاء وتمشي في ركابها هذه الحيلاء الأخاذة ، الحيلاء بالقيم النفسانية التي لا تدري منها الآن الا انها لا تريد ان تحيد عنها قيد انملة .
جهان غزاوي عوني
من ثقب الابرة
جاءني ذات يوم ملتاعاً حائراً ، وقال ، قبل ان يلقي عليّ التحية ، « من هم هؤلاء الذين يريدون خراب البيوت ، وتشتيت العائل ، واضعاف ايمان البشر بالامومة ! » وسكت قليلاً ليتابع كلامه بجدة وتأثر بالغين - تصوّر ان هذه البلاد العريقة ، بتقاليدها ، القديمة بمدنيتها ، المعتزة بالمحافظين من آبائنا واجدادنا ، تنقلب فجأة ، نساؤها رجالاً ، ويصبح رجالها موضوع تحكم الضعيف الضعيف من خلقه تعالى ... !
وراح محدثي ، وقد تقمصت فيه شاعرية خليل مطران ، يردد باكتئاب « وهل في الظلم مثل تحكم الضعفاء ... »
وهنا حاولت الكلام ، فمنعني مستأنفاً حديثه على عادته . واذ رآني جاداً محتداً ، سكت مشدوهاً ، فبادرته بقولي : ان سنن التطور البشري ، تقضي بكل ما يغضبه ويحزنه شخصياً ، من مساواة المرأة بالرجل ، وليس في الامر جريمة ، او افتئات على حرمة ابيه وجده المحافظين - وهو منهم - فالمرأة عنصر اول وهام في اعداد الاجيال الطالعة . ولو قدر الرجال اعمال المرأة في ميادين الحياة كافة ، لوجدوها افضل ما تعتمده الامم الراقية في اصلاح المجتمع البشري ، وتقويم اخلاقه وتدعيم ما انهار من اسس سيادته وكيانه وعمرانه .
- وهل انت مؤمن بما تقول ؟
- كل الايمان والثقة وليس امامنا الا ان نختار بين البقاء ، امة جاهلة ، تسير في تقلص الى الفناء والاضمحلال ، او امة تنتصر على ما بلي من التقاليد ، لتستمر في تقدم ونشوء الى الحياة والازدهار .
ولشد ما كانت دهشته ، عندما قلت له ان كل شيء قد تم ، وستخرج المرأة من هذا المعترك عالية الجبين مصونة الجانب موفورة الكرامة .
ابن السماء
١٧