
قال الراوي :
كان في حديث صديقي اوكتافيو الغريب ، في ليلة الميلاد تلك ، كثيرٌ من الوسكي وشيء من الحقيقة .
واليوم ولأننا في ليلة الميلاد ، ولأنني إلتقيته مجدداً مع مخلوقة باهتة ، لا لون لها ، بل هي مثل الثوب الذي كانت ترتديه ، ومثل الرائحة التي تعطرت بها .
اليوم ، تعاودني ذكرى اوكتافيو وذكرى سكرتنا في ذلك البار الصاخب ؛ اذكر ربطة عنقه وقد عقدت بشكل اضفى عليه هيئة المتشردين على الرغم من جمال ثوبه واناقة حركاته .
في ذلك العهد كنت أغرقُ ألمّ حبٍ عظيمٍ في اعماق الكأس ، فأحاول بثّ لواعجي الى الاصدقاء ، وازاء حيادهم كنت اكبت همّي واعيش وحدي مع شقائي .
وفي ليلة الميلاد تلك ، سعدت باكتافيو ، اذ جاء الى مائدتي وبيده قدح من الويسكي المجلّدة ، فانفجرت اتكلم عن بؤسي بألبرتينا ، زميلتي في الجامعة ، عن صغر جسمها وضيق تفكيرها ، عن حركاتها المسترجلة وعن سحر فمها ، عن نكبتي بذلك الحب الراسخة اصوله في قلبي وعن دمائها لانها لولا ذلك العقل الهائج المضطرب ، لكانت في صفوف الحمير ! كنت ملتوياً مناقضاً حتى استوقفني صديقي واستلم الحديث .
يئست في بادئ الامر لانفلات السانحة من يدي ولكن حكاية صديقي استأثرت بي . نعم لقد عشت في تلك الحكاية ليلة بطولها ، فانصرفت عن الفتيات الجميلات الخاطرات بيننا ، وصدورهنّ تهيمن فوق رؤوسنا ساعة يغيرن الاقداح ويمسحن الموائد ، انصرفت عن عازفي البيانو والقيثار وعن اناشيد الميلاد
يغنيها جماعة من الالمان السكارى .
وحدثني فقال :
تزوجنا - كما تعلم - زواج حب . كُنّا ، ماروسيا وانا ، في الثالثة والعشرين ، كانت موسيقية ، وكنت اعالج الادب ، فسكنّا في الضواحي بيتاً جميلاً ، وعندما صدر كتابي الاول هلل له النقاد ، لان أدب اليساريين كان يثير الناس وكنت متطرفاً .
وعشنا سعداء على الموسيقى والادب ، انسى نفسي وانسى مواعيد الطعام فوق مقال او فصل جديد ، ولجلي فنّ الموسيقى كانت تعزف وتفسّر لي ما خفي عليّ وتضحك مني . ما ازال اسمع وأرى ضحكتها حتى الساعة ، تبدأ بين الحاجبين ، وتنزل الى انفها ، الى ذقنها ، وفي النهاية تنفرج على فمها . ليس في الدنيا من يضحك مثلها . كانت يداها وحتى اناملها تضحكان !
لا لم يكن لها شبيه ، ولم يكن لقوة الحياة فيها من مثل . وكنت عندما امرّ يدي على جفونها الحافلة اقول مداعباً :
إنك يا ماروسيا من رأسك الى قدميك قلبٌ حقاق .
فتقول : لست سوى حيوان صغير نابض بالحياة .
كانت مجموعة ، من الالوان المنسجمة ، من اخضرار العينين الى شعلة الشعر المذهّب ، الى تلك الاهداب الكستنائية الكثيفة الى ذلك الجلد الشبيه بثمرة ناضجة شهيّة .
ولم نكن في حاجة الى احد ، ولا الى اطفال ، وعندما كنّا نتكلم عن تلك المخلوقات الصغيرة ومشاكلها ، كانت تعتصم بالجدّ ثم تقول :
- لن يكون احدٌ بيننا . ابداً ابداً !!
ولست اصدق ان زوجين سعدا كما سعدنا ، في حقبة دامت ست سنوات ، نشرت اثناءها كتابين اصبحت واثقاً من نفسي وغدت ماروسيا شيئاً معلقاً بي ومتمماً . لم ارَ امرأة اكثر منها انوثة . كانت في الحقيقة ضلعاً من اضلاع آدم ، فبينما هي تخاف من حردون ، تقطع صحراء لتحضر لي كوباً من الماء .
كانت المرأة التي تغلُّ يوماً فيوماً في قلب الرجل وتجمع في جسمها القوة والضعف معاً ، كانت الانثى ! تعرف كيف تتضائل وتنكمش لتحظى بحياة مثلى داخل قلوبنا .
