


كان شاباً فتياً، في مرآة قرة العين، وابتهاج القلب، وغبطة النفوس.
وكان غرة قومه، ووجه عشيرته، يثنون له اعطافهم، ويمهدون له اكنافهم ويؤثرونه بالحب والايناس وكان من حوله يستفزون نفسه الثائرة بأحاديث الزواج وما فيها للقلب من متعة، وما في الطبع إليها من طمأنينة وارتياح.
وقال واحد من رسل الملوك إليه: «أما أميرة بهليك، فما أجملها! إنها لكالباقة من أزاهير الربى في الربيع!»
ولكن الأمير الشاب اشاح بوجهه. وكأن لم يعلق الحديث منه بشيء وما أجاب.
وقال آخر: «... وتلك أميرة كندهدار.. زاهرة أنيقة، وضاءة بهية، كمثل وضاءة العنقود النضيد:» ولكن الأمير الشاب ينساب في الغابة لا يخرج منها إلا بعد حين.
وقال وصيف من سراي الملك - أبيه -: «... جميلة أميرة كامبهوج جمال قوس الأفق عند انبثاق أضواء الفجر وأنواره... وعيناها ناعستان حالمتان، تلتمعان التماع قطر الندى الوضاء!»
ولكن الأمير الشاب يستغرق في
كتابه تصفحاً فلا يرفع عنه عينيه ولا يفيق!
واعتضد الملك الوالد بنجيّ ابنه وعشيره يسأله عما انحرف بابنه عن الزواج وبغضه إليه!
فقال سمير الأمير: «ايها الملك الجليل، لقد زهّد الأمير في الزواج ما سمع عن عرائس الأمواه، ولقد أقسم في سره لتكون زوجته من عرائس البحر، بنات الماء..»
وأراد الملك ان يعلم عن أمر هذه العرائس شيئاً، فاستدعى إليه اهل العلم وارباب الحكمة.. ولكن ارباب الحكمة لا يعرفون... ولكن اهل العلم لم يروا في كتبهم عن العرائس المزعومات شيئاً. إنها هاتيك العرائس، عرائس الخيال الموهومات، وكذلك قال رواد البحر من الهنود التجار!
فدعا الملك الشيخ إليه سمير ابنه، يسأله عمن قص على ابنه هذا الخيال الموهوم؟ فأجابه: انه رجل يضرب في الآفاق مجنون. وقد سمع منه الأمير ما سمع في الغابة حين كان يصطاد! فأرسل الملك اعوانه في البحث عن هذا المتشرد المجنون ليحضروه إليه حتى وجدوه وجاءوا به قصر الملك الفخم العظيم.
فسأله الملك عن مملكة عرائس الماء أين تكون؟
قال المجنون: إنها فيما يلي حدود الشمال من مملكتك أيها الملك العظيم عند سفح جبل «شيتراهي» حيث تنبع بحيرة «كاميا كا»...
فقال الملك: وهل يبصر المرء عرائس الماء هناك؟
فأجاب الجائل المخبول: نعم! في امكان المرء رؤيتهن، ولكنه لا يكاد يعرفهن لما يحيط أنفسهن من إبهام وغموض، غير أني أعرف العرائس الفاتنات باصوات مزاميرهن الرائعة أو بقبس من شعاع لهن وهاج!
فغضب الملك من هذا الهذيان وقال: «انه لمجنون! قد اصابه مس من حياة التشرد والتجوال فاطردوه».
غير ان الأمير كان قد اصغى الى ذلك الهذيان الجليل. وعلق بقلبه منه ما سمع، فليس الى طرده من سبيل.
وجاء الربيع يكاد سنا حسنه يستلب العقول. وانبثقت أزاهيره في الغابة تملأها حسناً وعطراً! فركب الأمير جواده وخرج. فيسأله الاهل: الى اين ايها الأمير الجليل؟ ولكن الأمير ساكت لا يجيب.
السيل يتدفق منحدراً من أعلى الجبل ثم ينصب في البحيرة فيفيض. وهناك، هناك قرب الجبل في المعبد المهجور كان الأمير يقيم! ومر شهر، والأمير في معبده يرتقب، وفي الشهر هذا اشتدت خضرة
