مآسي التربية الحديثة


كتب جوزف ( دار مستر ) Dears Maister يقول : « لم نر يوماً المرأة تؤلف الياذة او انياذة . ولم تبتكر نظرية تذكر في الجبر او الهندسة . لكنها ابدعت وتبدع اهم من هذا كله . فعلى ركبتيها ينشأ ويترعرع ذلك الذي كل شيء خلق حسناً من اجله ، الانسان ذكراً كان ام انثى ... ان فضيلة الامهات ، كل فضيلتهن ، تقوم في تنظيم البيت ، واسعاد الزوج وتربية البنين ... وكم فتاة عني بتربيتها وتهذيبها وتوجيهها راحت هي بدورها تنشيء ، على مثالها ، بنين اصبحوا اهم ما خلد لها التاريخ من روائع . »
فمن المؤسف حقاً ان نرى امهات عديدات يخيبن رجاء التاريخ ويحرمن المجتمع من عناصر طيبة قوية ، اذ يجهلن او يتجاهلن رسالة الامومة وحقوق التربية وموجباتها فيستثن الاضطلاع بمسؤولياتها ، وتوجيهها ، كوسيلة فعالة ، توجيهاً منطقياً محكماً صوب الهدف الاسمى . ويتفاقم أسفنا عندما نشاهد المآسي المؤلمة تمثل على مسارح التربية المنزلية بسبب امهات متغافلات عن تفهم اولى القواعد الواجب اتخاذها كنقطة انطلاق في كل تهذيب وارشاد وتوجيه حتى لا يأتي العمل التربوي نتيجة العسف والاكراه ، ولا عاقبة وخيمة لحريات طائشة ومشيئات مجنحة ، بل نتيجة لتفاعل مستنير بين اساليب الام المربية ونفسية ولدها . لان العمل التربوي ان هو الا توفير امدادات مادية ومعنوية تضمن للولد النمو المتكامل فينشأ انساناً قوياً خالياً من الاضطراب والانحراف . وهذا ما اجمع عليه علماء
التربية في قولهم : ان مهمتنا تقوم بارشاد الطفل الى ما يجهل ومساعدته فيما يفعل ، ومع مواصلة ايلائه عطفنا وحبنا وحناننا ، بجعله ، في اقرب وقت ممكن ، في غنى عنا وتدخلنا غير ضروري دائماً لتسيير شؤونه فيستطيع يوماً ان يتدبرها بقواه الشخصية وان يشق طريقه لنفسه في معترك الحياة . اما الواسطة لبلوغ هذه الغاية فهي التمرس على الطاعة الواعية والاستقلال المتدرج . وبالفعل لو احصت الامهات كم من التحذيرات والتنبيهات اضطررن ان توجه الى ابنها او ابنتها خلال تناول الطعام او النزهة او الدرس لانذهلت ودب اليها القنوط من جراء قلة جدوى ملاحظاتها السلبية في اصلاح ولدها . بينما لو اهتمت بان تنفذ رأساً الى صميم الولد وتفهم منحنيات نفسه واخذت في تدريبه على ارادة هذا الشيء او الامتناع عن ذاك من تلقاء نفسه ، لتمكنت بواسطة هذا الاسلوب الايجابي المبني على الاختبار ، من ادراك نتائج مرضية يرتاح اليها ضميرها ويتعزى بها فؤادها الوالدي . ولكن من النادر ان نجد في بيئتنا اماً تبنى هذا الاسلوب لما يتطلب من مشقة متواصلة لمراقبة حركات الولد وسكناته ، وميوله وخصاله . فمن السهل عليها ان تقول له : « لا تفعل كذا ! » من ان تعين له عملاً وتقول له : « افعل كذا ! » وهذا الاصلح لان للطفل منطقاً يخالف منطق البالغين . فهو اصغر من ان يدرك معنى الحياة وماذا يريد وكيف يريد .
ومن مظاهر الكسل الفكري عند
الامهات اعلان حيرتهن وعجزهن تجاه عناد الاولاد . حتى امست لديهن قضية الطاعة من المشاكل المستعصية التي يجابهن ازماتها يومياً . لكن مصدر هذه المشكلة قد لا يكون غالباً الطفل بل الام نفسها . فهناك امهات تخال لهن الامومة عرشاً يصدرن من عليائه الاوامر والنواهي بعنف وانفة دون قاعدة او روية ، وقد تناول جميع حركات الطفل وسكناته دون تقدير لاحساسه وكيانه ولارادته الحرة التي تريدها هي آلة صماء تتحكم بها على هواها ولاجل نفعها حتى لو نال الولد منها ضرر . فهذا الاسلوب ان دل على شيء فعلى قصر نظر من يعتنقه . لان الارادات التي تساس بالضغط والتهويل لا تعتم ان يعتريها الشلل والخمول والتقصير عن التمرس بالافعال الحرة ، وعندما يتيسر لها يوماً الانفلات من المراقبة ، تعجز عن استعادة حيوياتها المألوفة او تصبح بؤرة لثورة فكرية وفوضى اخلاقية .
نعلم ان الامومة عرش لكن لتقتعده الام بيقظة ومحبة وتحسس بقدسية الرسالة . والطاعة ليست غاية في ذاتها بل واسطة لادراك مرامي تلك الرسالة . لذا بدا من الواجب ، قبل فرض الطاعة على الولد ، ان يعين موضوعها وكيفيتها وشرعية

