السلطة الآمرة اذ ليس كل طاعة صالحة . فقبل ان تقول الام كيف اصير مطاعة ، عليها ان تعرف كيف تجعل من الطاعة فعلاً ادبياً وعادة صالحة . وبكلمة ان تجعل منها فضيلة يحبها ابنها او ابنتها ويقبلا على ممارستها بمحبة واقتناع .
ان شرعة حقوق الانسان التي خولت الاهلين : « الافضلية في حق اختيار نوع التربية والتعليم لاولادهم » ، لم تغفل عن توصيتهم « بان يهدفوا من التربية الى الكمال في تنمية الشخصية البشرية ، والى تعزيز واحترام حقوق الانسان والحريات الاساسية . » ( مادة ٢٣ ) ولكن هذا الاحترام لا يعني الزام الاهلين بالتنازل عن حقهم في الامر والنهي فيتركون للولد الحبل على الغارب فيأتي من الاعمال ما طاب له من دون رادع ولا وازع .
ولا يحتم على الوالدين مراقبة حركات الولد وسكناته وحسب ، بل يجب ان يتسع نطاق هذه المراقبة حتى يشمل بيئته باسرها . لان كل ما يشاهده في حياته المنزلية والخارجية يتأثر به . ويتفاعل مع ظروف البيئة الموجودة تفاعلاً قوياً يكون له نتائجه في حياته المستقبلية . والانطباعات التي ترسخ في ذهنه تغدو ناخزاً يقوده من حيث لا يدري الى حياة سعيدة او قدر محتوم . فيجب على الوالدين ان يراعوا الدقة في حركاتهم والبساطة في حياتهم والطهر في افكارهم والفطنة في اقوالهم والتحفظ في علاقاتهم الجنسية ، وان يحرصوا على سلوك ابنهم او ابنتهم ويسهروا على غدواتهم وسهراتهم ، على رفاقهم وعشرائهم ، على كتب يطالعونها ومجلات يتصفحونها ، على اندية يغشونها ومسارح يألفونها وافلام تبقى اعينهم مسمرة عليها ساعات طوالاً . لذا كان من اللازم على الامهات الاحتفاظ بحقوق التربية وعدم التنازل عنها للمربية مأجورة ضناً باوقات يصرفنها في سبيل
لذتهن وراحتهن واشغالهن الخاصة فيهجرن اقدس ما اودعهن الله ويستنكرن لمتعة الامومة ونشوة الحنو لقاء سهرات يقضينها في مرابع اللهو او دور السينما او على الطاولة الخضراء فينشأ الطفل فاقداً لعطف الام ، جاهلاً لعنايتها ، غريباً عن حنانها لا يهزه شعور ولا اقرار بالجميل . لا تنسى الام ان صيرورتها اماً هي شروع بحمل المسؤوليات الجسام وبداية حياة تكتنفها الآلام والمشقات . ومن تلك المحن التي ترضى بها وتصبر عليها ستخرج نفس ابنها او ابنتها ، زنبقة جميلة وثمرة ناضجة ، واخيراً مجداً أثيلاً لها ولبيتها وللوطن .
كم يعرض للام ان ترى ابنها او ابنتها فلذة كبدها ، فريسة مرض عضال . فتقضي النهار وتحيي الليل ساهرة ، دامعة العين ، منغصة العيش . الم مرير ... على ان هناك محنة اشد وادعى تصيب منها الصميم وقلما حزنت لها او رثت لنفسها من اجلها . وهي ان تكون هي علة ادواء ابنها او ابنتها . نعم ، هي الام المربية بمثلها العاطل واهمالها الفاضح . كأن تترك الشرور والمفاسد تفتك بنفس ولدها واخلاقه ولا تبالي حتى يدهمها الخطر وتذوق مرارة واقعة الحال فتجهش بالبكاء وتلعن ساعة قيل فيها ولد انسان . وكأن تتهاون في امر تربيته الاخلاقية وتسامح معه في عدة منكرات تلافياً لنحول صحته واستكمالاً لقوى جسده جاهلة انه مركب من جسد ونفس والنفس اولى بالعناية وتربيتها لا تقبل هوادة ولا تسامحاً ، وكأن تتغاضى عن مستلزمات الآداب والاخلاق لتترك امامه المجال فسيحاً لاقتباس العلم . وقد تكون غايتها من نجاحه محض مادية : انتفاعها منه في المستقبل ان الغنى والصحة والشهادات المدرسية كلها اشياء جميلة من الواجب ان يسعى اليها كل فتى او فتاة . ولكن ليس قبل
ان ينعم بتربية وتوجيه وتقويم يضمن لها السلوك المستحب طبقاً للشرائع الالهية والمدنية . اذ لا اعتبار للولد ان لم يكن انساناً عزيزاً بنفسه ، طيباً باخلاقه ، خليقاً بالله وبوطنه . وليست نفسه رخيصة بهذا المقدار حتى نجازف بها او نستثمرها على اهون سبيل .
وهل آلم من جو عائلي تتباين فيه آراء الاب والام ويغدو مجالاً لمشاحناتها واختلافاتها على مشهد ومسمع من أولادهما وغالباً ما تنقلب هذه المناقشات الى احاديث مشينة وانتقادات قبيحة وتعبيرات فاضحة وشتائم قارصة . وكلها امثلة فتاكة لا تلبث جراثيمها ان تتغلغل في خبايا النفوس الفتية فتطغي على العواطف البنوية الشريفة لتنزع منها الاعتبار والكرامة نحو الوالدين اللذين بدورهما يحصدان يوماً نتائجها الماً وغماً .
عبثاً نحاول بعد اليوم الحد من قابلية انفتاح الولد على كل ما يدور حوله من احداث واحاديث . وعبثاً نجرب اقصاءه عن المجتمع . اما الذي نقدر عليه فهو ان نوفر له اجواء نقية ينفتح عليها ومجتمعاً صالحاً يلج بابه حتى لا يطل على معترك ويكون غرساً . بل يخالط جيله في العابه ومسؤولياته ، ويشاطره افراحه واضناكه وينافس اترابه في احراز الاولية والسبق الى الهدف ليكون يوماً من مجتمعه في الصميم وبين وجوهه من البارزين .
( يتبع )

٤١