العواصف تعصف من كل صوب حول هذا البيت اللبناني، وفي داخله، حيناً خفيفة ليّنة، وحيناً هازجة مولولة. ومجلة المرأة الوحيدة في هذا البلد حكمت على نفسها - من غير ما داع - إلى حصر رسالتها في القضايا الاجتماعية والثقافية والتربوية والمطالبة بحقوق النساء السياسية. ولكن، أيؤذي هذه «المرأة» أن تذيع على «النساء» شيئاً عن العواصف التي تهز البيت اللبناني؟ في يقيني أن المرأة التي تهيّئ نفسها للدخول غداً أو بعد غد، أو بعد ثلاثة أو سبعة أعوام للانخراط في سلك حلقات المشترعين في وطنها، مدفوعة لأن تلمّ بما في هذا الوطن عن طريق هذه المجلة التي تحفظ أعدادها في مكتبة البيت.
★
بدأت هذه السنة باختلاجات - ليست من بنات الساعة بل من بنات شهور وأعوام مليئة بالعاهات وبالأمراض - وعبّر عن هذه الاختلاجات سلسلة من الإضرابات أخذ بعضها برقاب بعض.
الإضراب ضد الشركات: لجأ إليه سكان بيروت يوم تمنعوا عن دفع الأقساط لشركة الكهرباء، وما يزالون مضربين. فالشركة تتدلّل، وتتقاضى أرباحاً يراها المستهلكون غير متناسبة مع «البضاعة» التي تقدّمها لهم والإدارة القائمة على الشركة تتصلب ولا تحيد عن موقفها شعرة. وذهبت وزارة الأستاذ اليافي وجاءت وزارة الأستاذ الصلح والإضراب لا يزال حيث كان ...
ومعلمو المدارس الخاصة أضربوا: أليس فقيد هذه المجلة المرحوم فؤاد سليمان من قال:
«خير للمعلم أن يأكل دمه من أن يأكل رغيفه بمنّة؟»
هذه هي تماماً حالة معلمي أكثر المدارس الخاصة. يعيشون إما «بمنّة» أو بلحس دمائهم عن ذلك المبرد ... وقد صدر قانون رأوا أنه لا يرفع ظلاماتهم فعمدوا إلى الإضراب.
هل معلمو ومعلمات المدارس الخاصة لبنانيون؟.. هل يقومون بعمل رئيسي في بناء هذه الأمة؟ ليس من يقول لا. فلماذا لا يساوونهم بسائر العاملين؟ ولماذا ترّبي الأم ولداً واحداً فيحيطها في شيخوختها بالعناية والرعاية وكل ضروب الانفاق وإذا أحجم عن هذا الواجب أجبره «القانون» على القيام به واقتطع قسماً مما ينتجه وسلّمه إلى أمه - أو إلى أبيه - وهؤلاء المعلمون والمعلمات، هؤلاء الآباء والأمهات الروحيون للمئات وللألوف من الأولاد يتركون في أيام المرض والشيخوخة لكل صنوف الألم، واليأس ولألف غصّة وغصّة؟؟
ويضرب المحامون: ... إضراباً عاماً شاملاً أوقع الشلل في كل المعاملات التي يقتضي لها المرور في قصر العدل. عدة مئات من الرجال، حملة «الليسانس» ورجاء هذه الأمة يوم ينقطع كل رجاء، لأنهم يمثلون هذه الفئة التي تعرف الجزاء على كل عمل!!! كل هؤلاء، وجلهم من الكادحين العاملين الساحبين رغيفهم ورغيف عيالهم بشق النفس اضربوا إضراباً رائعاً عظيماً احتجاجاً على إبقاء القضاء مربوطاً إلى عجلات القرون الماضية بينما قفزت الدولة شوطاً كبيراً نحو التقدمية المنطلقة كل يوم وكل ساعة.
لا يتسع هذا العدد للإلمام بقضية إضراب المحامين من كل نواحيها، فموعدي والقارئات في العدد القادم. وعلى كل لا بدّ من كلمة لهؤلاء الرجال السابقين إلى «قيادة معركة التطور الحق» الذين «دقّوا أول مسمار في نعش الجمود» وكلمة المرأة هي هذه:
قد لا تنجحون اليوم في نيل كل ما تطلبون، وقد تُغلبون غلبة موقتة إزاء تصلب هذه الأطواد القائمة منذ عصور الظلمات ولكن اذكروا أن الغلبة في النهاية هي للحرية ولأهلها، ويا ما أحلى كلمة قالها شهيد حرّ غُلبَ على أمره:
إذا مات واحد من الأحرار فالحرية لا تموت!!.
