في ضاحية من ضواحي بغداد ، وفي جو من السكون الحالم العميق دارة صغيرة ، تظلها أفياء شجر الدفلى والكينا ، متدلية من هنا ومن هناك كأنها أجنحة ملائكية ، تهوّم في ذلك المكان الهادئ من مدينة الرشيد ...
في هذا الجو الساحر تقيم الشاعرة العراقية نازك الملائكة ، ويعيش معها في هذا المنزل الأخضر عائلة كلها شاعرة - فهناك الأم وهي شاعرة ممتازة ، وهناك الأخت الثانية وهي تقرض الشعر ، وهناك الأخت الصغرى التي يتنبأون لها بمستقبل شعري باهر ، وهناك الأخ الذي تراه دائماً في ظلال أشجار الحديقة ، يطالع او يكتب .
في العراق اليوم ظاهرة جديرة بالدرس والتأمل ، ففي هذا البلد ، تجد نهضة شعرية نسائية ليس لها مثيل في الأقطار العربية الأخرى . فنازك الملائكة ليست الشاعرة العراقية الوحيدة ، وانما هناك باقة غضة من الشاعرات ، بدأت تنشر أطيابها في كل مكان من بلاد الرافدين ، وقد يكون مرد ذلك إلى هذا الكبت الإجتماعي العنيف الذي تعانيه المرأة المثقفة هناك ولا تجد منفذاً إلا الشعر . فالشعر هو النافذة الوحيدة التي تنطلق منها النفس ، معبرة عن مشاعرها وأحاسيسها وانفعالاتها الطبيعية .
قلت ان نازك الملائكة ليست الشاعرة العراقية الوحيدة ، وانما هي على رأس هذه الباقة من الشاعرات ، وقد صدر لها حتى الآن ديوانان : الأول ديوان « عاشقة الليل » ، والثاني « شظايا ورماد » ، والذي سأتحدث عنه .
تحمل الشاعرة في المقدمة على أوزان الخليل ، وتدعو إلى التحرر من هذه القيود الثقيلة التي قعدت بالشعر العربي ، طيلة هذه الأجيال ، على أن يتبوّأ مكاناً رفيعاً في الآداب العالمية ..
وهي إذ ترسل نظرياتها ، تنطلق بحماس مدافعة عن هذه النظريات ، مشيرة برفق ، من خلال قصائد الديوان ، إلى الفروق الواضحة بين القديم المقيد والحديث المنطلق ... وهي إذ تثير المشاكل الشعرية وتغوص في معالجتها إلى أعماق الشعور واختلاجات النفس الإنسانية ، تشعرك أنها تتكلم عن معرفة وسعة اطلاع على الآداب الغربية ، واتجاهاتها المستحدثة في التحليل السيكولوجي ، وعلى التطورات التي طرأت على المعنى
وعلى اللفظة ... فتقودك بيدها إلى شطآن الشعر المترامية الأطراف ، وتقبل على معالجة فنون الشعر ، اقبال الفنان الأصيل على لوحاته والوانه ..
ولنازك الملائكة آراؤها اللغوية الخاصة ومفهومها الشعري الخاص . فهي ترى ان اللغة العربية لم تكتسب بعد قوة الإيحاء ، لان كتابها وشعراءها لم يعتادوا استغلال القوى الكامنة وراء الألفاظ استغلالاً تاماً إلا حديثاً . وربما كان ذلك هو السبب - تقول نازك الملائكة - في جنوح الجمهور العربي جنوحا شديداً إلى استنكار المدارس الشعرية التي تعتمد على القوة الإيحائية للألفاظ كالرمزية والسريالية ، على اعتبار أن هذه المدارس تحمّل اللغة أثقالاً من الرموز والأحلام الباطنة والخلجات الغامضة ، واتجاهات اللاشعور ، ومثل ذلك ما لا تنهض به إلا لغة بلغت قمة نضجها .
والإبهام جزء اساسي من حياة النفس البشرية ، تقول الشاعرة ، لان هذه النفس ليست واضحة ، وانما هي مغلقة بألف ستر ، وقد يحدث ان تعبر الذات عن نفسها بأساليب غامضة ملتوية توحيها الذات الباطنة في غفلة عن العقل الواعي .
ففي قصيدة « الخيط المشدود إلى شجرة السرو » تظهر الشاعرة مقدرة فائقة في رسم الصور الشعرية للانفعالات والخواطر التي اعترت شاباً فوجئ بنبأ موت حبيبته . ويلاحظ ، ان القصة العاطفية في هذه القصيدة ثانوية الأهمية بالنسبة للخيط المشدود في الشجرة وما كان له من صلة وثيقة بشرود الشاب المصدوم ، وحالة الهذيان الداخلي التي اعترته : - يطرق المحب باب حبيبته بعد غياب طويل ، فتنبئه اختها الصغرى أنها ماتت :
وتقضي لحظتان !
انت ما زلتَ كأن لم تسمع الصوت المثير
جامداً ، ترمق اطراف المكان
شارداً ، طرفك مشدودٌ إلى خيط صغير
شدّ في السروة لا تدري متى ؟
ولماذا ؟ فهو ما كان هناك منذ شهرين .. وكادت شفتاك تسأل الأخت عن الخيط الصغير ولماذا علقوه ؟ ومتى ؟ ويرن الصوت في سمعك « ماتت .. »
« إنها ماتت ... » وترنو في برود
فترى الخيط حبالاً من جليد
عقدتها أذرعٌ غابت ووارتها المنون
منذ آلاف القرون وترى الوجه الحزين
ضخّمته سُحبُ الرُعب على عينيك
« ماتت ... »

