.. حدثتني أناملك عن عبقرية الألوان والخطوط .. وحكاية اللوحات .. حدثتني عيناك عن مدى بعيد .. واختراق المعلوم الى المجهول .. وفكّ الطلاسم والاسرار .. حدثتني قدماك عن عزم وايمان وقوة ، تدك الأرض ، وتقلقل الاجبال ..
أيّ غد هذا الذي ينتظرك يا سلوى؟
أيّ غد هذا الذي يدور .. يحوم حوالك ؟
أيّ غد هذا الذي لا نعرف منه الا الفضاء الابيض ؟
★
.. تتلوى اوتارك .. وتضج اعماقك بالنداء .. بالنداء الى الخلق والابداع .. اما جبينك فصلب عنيد .. كأن وراءه نفساً قاسية تهزأ بالاقدار والاحاسيس الهامة .. وتضيفين على لوحاتك صلابة من الجبين .. اما ما وراء الخطوط والألوان ، فلا يراه الا الذين وهبوا احساساً فائقاً في الانامل وفي العيون ..
★
.. وسرت في موكب الفنانين العالميين ، تحنين بكل ذرّة من ذراتك ، لتبني غداً جميلاً .. وجيلاً قوياً ثائراً .. إلهه العقل ، ورسوله المعرفة .. وبعد اختبار روحي عميق ، توصلت الى ما توصلت اليه من التجريد ، وتجسيد اللامنظور ، باستلهام الخطوط المستديرة والمثلثة والمنحنية .. والألوان الصافية ، التي تدلّ على شخصية قوية ، راسخة ، مؤمنة ، لا حيرة فيها ولا قلق .. واثقة من نفسك وثوقاً قاطعاً .. واللوحة عندك ، تتحرك بتآلف عجيب .. والألوان تصرخ وتدور على ذاتها .. كل شيء في الكون وحدة .. كل
شيء في الكون له قيمة .. العالم كله متآلف .. متقارب ، قرّبته البنا آلات قوية .. تزيد حساسيتنا تارة ، وتسخر من المسافات والزمن تارة اخرى ..
★
كأنك تتكلمين ، ولفتك الألوان والخطوط .. كأنك تقولين : العالم متصل بعضه ببعض ، وعظمة الانسان في قدرته المتنازة التي تسيطر على الطبيعة ، وتخلق ، وتكشف الاسرار ، وتؤلف ما شئت من الاشكال ، لتجعل من المتنافر تناغماً منساباً .. ومن المتناثر وحدة محكمة .. هذا التأليف الجميل ، ليس الا ابداعاً لا مثيل له في عالم الخلق والابداع .. وهكذا يشترك الانسان مع الطبيعة بعبقريتها الفذة .. يقدم لنا تآليف ، كما تفعل الطبيعة ، وقد نسميها طفرات ..
★
... وفي باريس عشتِ سنين .. عشت مكبة على لوحاتك ترسمين وترسمين وتخلقين وتخلقين .. واهتمت بك باريس واشارت الى لوحاتك في اشهر جرائدها ومجلاتها ، جميعها تشير إلى موهبتك الفنية الرائعة وإلى مكانتك المرموقة في عالم الفن الحديث .. فاسمعي ما قاله عنك النقاد الفرنسيون :
★
.. « معرضك مثل قصّاب الحجارة الذي يحطم الجدران بجبروته .. فالانشداد في لوحاتك ، والارادة المسيطرة يجعلاننا نحس اقتضاباً واختصاراً عظيمين ..
.. « لست سلوى تلميذة مبدعة في المدرسة الفنية الحديثة فحسب .. بل انت بعيدة أن تتقبلي القوانين المعترف بها بحذافيرها ، لأنك اوجدتها مرة ثانية بعد أن كيفتها لمزاجك وعقليتك ، ولوّنتها كما راقت لك .. ومن المحتمل انك كيفتها
بالنسبة الى عقليتك العربية .. أما الالوان والخطوط في لوحاتك الكواشية « Gouache » فتدل على بساطة ونقاوة .. وحيوية ملهمة .. هذا أكبر دليل على ان لمؤلفتها صفات الفنان الصادق المخلص ، الذي يبدع بارادة قوية وقوة مدهشة ..
.. « استطعت سلوى ان تبرزي في لوحاتك تحسساً مطواعاً ، لين الاعطاف فاجتمعت في باكوراتك روح شرقية سمحاء .. وامتزجت منسابة في اعماق الاتجاه الغربي ومفاهيمه للفن .. دون ان تتأثري تأثر اللاحق فيما رسمتِ ، بل رفضت رفض الواثق المطمئن ، الانطباعات التقليدية .. وشققت لك درباً عبقري الجدة .. الحياة نابضة ، ناطقة فيما خلقتْ هذه الريشة ، اللدنة .. الطالعة الى النور ..»
★
.. هل سمعت ما قاله عنك هؤلاء النقاد الفرنسيون في عالم الفن والجمال .. في عالم الخلق والابداع .. في عالم كله حياة وحركة وتجديد .. في عالم حي يسير ويسير .. ويخسأ تيار الرجعية امامه فينكسر منه كل عمود ؟؟؟
.. ماذا عن عالمنا العربي ؟.. ماذا قولي ماذا تخبرين ؟؟ هل مر الانسان العربي لامبالياً ، كما يمر بجميع وجوه الحياة ؟..
هل مرّ دون ان يحس ويشعر .. دون ان يسأل .. دون ان يقف دقيقة واحدة صامتاً متعمقاً باحثاً ؟.. هل مر ساخراً ؟.. هل وقف مثرثراً ، يكفر بالانسان وقيمته ؟.. قولي كيف في لبنان ؟.. ماذا عندكم يا بلد الفكر والاشعاع ! ماذا عندكم ؟.. هل عندكم نقاد ؟.. هل نقادكم فنانون ادباء ؟.. إذن ماذا عندكم في لبنان ؟؟


