

ان النظام هو قانون الوجود الثابت ، الذي لا يتم بدونه امر على ما يرام ويبتغى . وهو شمس الحياة المضيئة الذي ينير للسائر سبلها الملتوية ، ويبين مجاهلها ومنعطفاتها .
ومن الاخطاء الشائعة في مسلكنا الفردي والجماعي ، عدم النظام وسوء الاضطلاع بتحمل مسؤولياته ، مما يؤدي الى الفوضى والاضطراب في مختلف الاعمال .
وان من اهم عوامل الفساد ، الارتجال وعدم مراعاة النظم ، والاستهزاء بالقوانين . ولا يخفى ان النظام في كل مجتمع ، دليل على مقدار رقيه وحضارته ، لانه ميزان العدل والامن والاستقرار ، وعنوان الحياة العقلية القائمة .
فاصغر الاعمال واحقرها تتطلب نظاماً خاصاً بها ، وإن كثيراً من النظم ولا سيما الكونية منها كائنة دائمة ، يُطلب من الفرد اتباعها ، ولا يمكن تغييرها . فالتربة مثلاً لا تمنح الزرع قبل الفلاحة وبذر البذور ، ولكن كثيرين يطلبون الثمر قبل الزرع ، ويطلبون الفائدة قبل العمل ، وكثيرين يبتغون الوصول الى القمة ، بينما هم يتخبطون في واد من التشويش والاهمال ، او انهم يريدون الهدف ، وقد اداروا ظهورهم اليه ، واتجهوا في سيرهم وجهة معاكسة له .
ان كل ما في الطبيعة يسير حسب نظام دقيق عجيب ، يرتكز على اسس علمية ثابتة ، ولولاه لتزلزل الكون وماد ، وما الانسان إلا من هذا الكون الذي يكمله النظام .
ففي امور صحة الفرد والمجتمع ، وفي مسائل معاشها وثقافتها ، وفي تكوين الصفات والميول الذاتية والعامة عندهما ، يكون للنظم التي ترسم وتتبع بالغ الاثر ، فهي تقيم الحدود ، وهي تعين المنافذ وتوجه الى الاهداف .
فعدم الاكتراث بهذه النظم ، واهمال تقديرها ، يؤخر سير الاعمال ، ويُلقي ظلاً قاتماً من التشويش على نتائجها .
ومن اخطائنا ان كل فرد يلقي التبعة على غيره ، من دون ان يقرر حظه من هذا التقصير ، وقسطه من هذا التشويش . فلقد حضرت مرة اجتماعاً لاحدى الجمعيات ، ساده كثير من الفوضى ، فكان كل فرد ينتقد هذا الاضطراب السائد ، ويلوم الجميع الا نفسه ، مع انه كان من مسببي هذا الفساد .
وليس هذا الاجتماع الذي اتكلم عنه ، سوى صورة مصغرة لما نراه في سائر اعمالنا من قلة التنظيم .
وهذا يرجع الى ما تعودنا من عدم القدرة على ضبط النفس
ومحاسبتها ، وإلزامها بقواعد النظم ، وتحمل مسؤولياتها ، ومواجهة صعابها في شتى الميادين .
وهكذا نرى المرأة ، في كثير من احوالها المنزلية تنحي باللائمة عند وقوع الخطأ على الزوج او الاولاد او الخدم . ونرى الرجل كذلك لا يحلل الامور التي تطرأ في اوقاتها ولا يضع لها نظماً تقيه الازمات ، فعدم النظام يسود طريقه المجهول . ومع ذلك فهو ينزل اللوم على عماله او زوجه او غيرهم . ولكم من مرة أدى هذا الى تفكك اواصر الاسرة ، والى شقاء افرادها شقاء دائماً .
ونسمع الجميع مثلاً ينتقدون نظافة البلد ، ثم نرى كلاً من هذا الجمع - إلاّ قلائل - لا يراعي النظم اللازمة لوجود النظافة ، وحفظ وسائلها ، إن في البيت او العمل او الطريق ، فتنتشر الاوساخ المؤذية ، التي تضر بالذوق والعقل والبدن .
وعندما يرسب احد التلامذة ، لا ينظر الاهالي الى الاهمال الذي اقترفوه بحق الولد ، ولا الى اللامبالاة ، الذي ابداه التلميذ ، بل يوجهون النقد فقط على المدرسة ونظامها ، متناسين كل واجبه ، نحو نظم الدرس والتدريس ، فتحصل البلبلة ويكون التقصير .
لا بد للنظام في اعمالنا ، لا بد للفرد من اتباعه ، لتتبعه الجماعة فيتعلم الجميع مواجهة المسؤوليات التي تولد الكرامة في النفس ، وتشحذ العزم في العمل ، وتوجد الحزم في الارادة .
ولا موجب حينذاك ، لألقاء التبعات على غير اصحابها ، لان التنصل والخوف لا ينموان الا حيث لا يكون التدبير والتنظيم ، فيورثان الوهن والمذلة والاستخذاء وهذا بعيد كل البعد ، عن ازالة الخطأ واصلاح الامور .
بل ان الجرأة والامانة في الحكم على الاحوال الشخصية والجماعية ، والتمييز الصادق لصالح النظم ، هو ما يزيل البلبلة والارتباك من عقولنا ومن مجتمعنا .
ان قروناً عديدة عاشت بها المرأة مقيدة جاهلة ، كانت من اسباب هذا الارتباك ، فقد كانت لا تنهض بالمسؤوليات ولا تفكر فيما تسببه الوسائل من العواقب ، ولا تقيم للانظمة وزناً ، وكل هذا كانت آثاره وخيمة على الفرد ومن ثم على المجتمع .
وهذا ما يحدث عادة في كل مجتمع بدائي يسوده الجهل ، وتنقصه المدنية .
ومن مظاهر التقصير عندنا ، أن كل من اراد التخلص ما