يحيق به من حيف او ضيق ، واحياناً من هزائم جرها سوء التفكير والتنظيم ، يسوء خلقه ، فيعلو صياحه ، وبكثر ضجيجه ، لينتقم من ضعف ذات نفسه ، التي عجزت عن ان تعرف الخير ، لانها لم تعرف رسم الخطط التي هي اسس النجاح .
فكل من اهمل واجباً ، ينتحل الاعذار لنفسه ، ليخمد منها ثورة الحق ، ولينيم الكرامة التي لا تطبق التقصير . فلو تعود كل فرد أن يقوم بما يطلب ان يقوم به غيره - لو حلّ محله - متبعه وسائل النظم الراقية ، بلا مبالاة لنزواته او مخادعة لضميره ، لصلح كل حال عند الفرد والمجتمع .
لقد كره الانتقاد ، من دون عمل حازم من جانب الفرد ، وهذا لا ينتفي قبل تعود النظام منذ البدء ، منذ الصغر في البيت والمدرسة والطريق ، تحت حراسة المرأة ومشاركتها عقلياً وعملياً داخل البيت وخارجه . ومن يتعود النظام تمّ عنده مزية العدل . فهو يعرف واجبه كما يعرف واجب غيره ، ويعرف خطأه كما يعرف خطأ غيره ، لانه يستطيع ارجاع الامور الى نصابها .
وان مصارحة النفس بالخطأ اولى خطوات الاصلاح : اصلاح الفرد واصلاح المجتمع .
ولقد دخلت مرة منزل احدى معارفي ، فوجدت السيدة في حالة هياج عظيم ، وغضب صاخب . وقبل ان اسألها عن الامر ، قصت عليّ ما قامت به الخادم من اخطاء - في نظرها عظيمة - جرّت ما جرت من عواقب على البيت والاولاد . فنظرت وفكرت ، فرأيت ان الخطأ الاكبر ، مرده على السيدة ، وان ذنب الخادم يتضاءل امام ذنبها ، وانها لو انصفت وعدلت ، لحكمت على نفسها اولاً ، ولو ترّوت وفكرت ، لاصلحت ولعلمت بان الزوبعة الهائجة ،
تكسر الاغصان ، وتقتلع الاشجار ، وتخلع النوافذ والابواب ، وتهدم الجدران المتداعية ، فهي تخرب ولا تصلح . بل انها مبعث الخوف والقلق والنفور ، وان النسمات الهادئة تمنح الفرح والانتعاش ، وان الارادة الحكيمة ، والارشاد السديد ، والتصرف المتزن ، يصلح خفايا النفوس ويقيم مظاهر الامور وبواطنها .
ان مسؤولية ربة البيت لا يمكن ان تتساوى مع مسؤولية الخادم ، وسن نظام الاسرة وحمايته ، يقع على عاتقها قبل غيرها من افراد البيت .
وعند تدهور ميزانية المنزل يسود النزق افراده ويبدأ الرجل بوصم المرأة بالاسراف ، وتبدأ المرأة بارجاع الذنب الى الرجل ، وتبذيره او تقصيره ، ومن ثمة شقاق لا نهاية له . على ان وضع نظام للميزانية يتعادل فيه المصروف مع المدخول يمنع التدهور ، ويبعد الشقاق ، ويصون الكرامات .
ولا يظن ظان ، ان السرعة في اجتلاب المنفعة ، قبل التفكير فيما يكتنفها من خير او شر ، تستقيم معها الامور ، بل ان المنفعة القريبة التي ترتكز على التهور قصيرة الاجل ، واحياناً وخيمة العاقبة ، وخصوصاً اذا حملت في إهابها الاضرار . والعاقل من يتخلى عنها في سبيل منفعة شاملة ، تسير على نظام عدل ثابت ، لا تزعزعه زوابع الاهواء .
ان مزية الانتقاد عندنا ، منتعشة ثائرة على كل شفة ولسان ، مما يدل على وعي ويقظة . ولكن كل ما يثور بغير نظام ، يبيد قبل ان يفلح ويبني . فيجب ان يسير مع الانتقاد ، مهمة التنظيم ، ومهمة الاعتراف بالحقيقة الخالصة ، ليسود الحق الصريح .
نعم ، ليس الانتقاد بالبادرة السيئة ، بل هو ظاهرة تفهم وتطور وحياة ، بشرط ان ترافقه المعرفة والاخلاص وان يسانده انتقاد اخطاء النفس قبل اخطاء الغير ، وان تعاونه الرغبة في الاصلاح ، لا شهوة التشهير وحب الانتقام ، وان تلازمه العدالة والتسامح المبني على معرفة الانسان وما ينطوي عليه من مزايا وميول .
وها ان العالم اليوم ، كبركان ثائر ، فهلا نظم كل امرئ امره ، آخذاً اهبته للحوادث المقبلة ؟ وهلا نهضت المرأة فشاركت في هذا التنظيم وأبانت عن جدارة وخبرة ، واستعداد لرسم الخطط ، وحمل المسؤوليات ؟
فالنظام ، وان اخذ الانسان بشيء من الشدة والصراحة احيانا ، فهو ضمان للسهولة والراحة والاطمئنان ، والحياة الكريمة ، لانه وليد التفكير الصحيح الناضج .

