اذا منحت المرأة اللبنانية حقوق المواطن كاملة ، اي ما يسمى الحقوق السياسية فصار لها ان تنتخِب وتنتخَب ماذا يحدث ؟
يتصور بعضنا ، وهم يفكرون على اساس حسابي ، اننا سنفتح عيناً ونغمض عيناً ، فاذا البرلمان نصفه رجال ونصفه نساء ، وربما زاد عدد النساء تبعاً لزيادة نسبتهن في صفوف الناخبين ، ومن ثم يطلقون لخيالهم العنان ، فيرون البرلمان وقد تحول الى صالون كبير ، وفي اروقته حجرات للزينة ويرون المناقشات تتخذ اشكالاً غريبة تراوح بين الغزل والنسيب وبين البكاء « والدق بالشوش » ..
هذا في البرلمان ، اما في الخارج فيلوح لهم ان المرأة وقد سمح لها بخوض معترك السياسة فهي سترقي فيه حتى الاذنين وتلتهي عن كل شأن آخر من شؤون الحياة ، عن العناية بالبيت وما ينطوي تحت ذلك من رعاية للزوج وتربية الاطفال وتدبير للمطبخ ، عن الاعمال الاجتماعية والمشاريع الخيرية ، بل لعلمهم يتصورون انها ستتخلى عن انوثتها واناقتها وتستحيل الى مصارعة سياسية لا هم لها الا الانتخابات والاحزاب والمعاهدات وكل ما في السياسة من حسنات وضربات .
هذا التفكير الحسابي اذا صح في الاشياء ، فهو لا يصح في الناس فلا يكفي ان يكون نصف الناخبين من النساء ليأتي نصف النواب نائبات ، ولا يكفي ان تعطي المرأة حقوقها السياسية لتجعل منها سياسية عنيدة .
ان عدة عوامل ترجع الى الطبيعة والى التاريخ والى المجتمع ، ان عوامل انسانية بالاختصار تدخل في الحساب لتفسد الحساب ...
قبل كل شيء ، التصويت في الديموقراطية حق لا واجب . فاذا منحت المرأة هذا الحق ، كان لها مثل الرجال ان تمارسه او لا تمارسه . واذا جاز لي التقدير حسبما اعرف عن نساء بلادي ، فلست اقدر ان اكثر من عشرين في المائة من الناخبات سيكبدن انفسهن عناء الاقتراع ، ثم ان المعركة الانتخابية تجري كل اربع سنوات ولا تستمر في ابعد تقدير اكثر من شهرين فلو فرضنا ان المرأة غطست في هذه المعركة حتى الذؤابة
كما يقولون - وهذا افتراض لا يصح الا في نزر يسير من النساء - فلن يقتضيها ذلك اكثر من اسبوعين في السنة ويبقى لها خمسون اسبوعاً تنصرف خلالها لسائر الشؤون والشجون .
هذا من جهة التصويت اما من جهة الانتخاب اي الترشح للنيابة والفوز بالنيابة فالمسألة ابسط بكثير . واعتقد ان عدة معارك انتخابية ستنقضي قبل ان نرى في مجلسنا من اخواتنا نائبات . فنحن مهما خلطنا السموات بالقبوات لا نستطيع الانكار اننا نعيش في الشرق ، حيث عاشت اجيال طويلة من النساء في الظل ، وحيث تعود الرجال ان ينظروا الى النساء من فوق وحيث النساء انفسهن يقبلن هذه النظرة ويعتبرنها شيئاً طبيعياً . الا تراهن كيف يفرحون بالمولود الصبي ، وتغم وجوههن بالانثى فكأنهن يسلمن بان جنسهن اقل درجة ؟ تلك تقاليد متوارثة عبر عصور طويلة ، وقد خلقت عقلية لا يمكن ان تنتزع بقانون هكذا دفعة واحدة . والمرأة تعرف ان منحها حق الوصول الى النيابة في الدستور ، لا يعني وصولها بالفعل .
فالدستور مثلاً يسمح لاصغر فلاح واصغر عامل ان يصبح نائباً ، بل ورئيساً للجمهورية ، لكن العرف والعادة يقفا حتى الان دون وصوله وما لم تتأصل الديموقراطية في النفوس ، وتزل مؤثرات الجاه الموروث والمال المجموع ، فان الفلاح الصغير والعامل الصغير لا يمكن ان يصبحا نائبين وكذلك المرأة لا يمكن ان تصبح في لبنان نائبة قبل عدة سنين تتحرر فيها - وتتحرر هي نفسها - من عقلية الماضي ، وما حفلت به من امتهان للنساء واستخفاف بهن ، وفي ارقى بلدان الغرب الذي له تقاليد عريقة في احترام المرأة لا تجد للنساء في البرلمان الا عدداً محدوداً جداً من المقاعد .
اسمعك تقول : ان تنبؤاتك عما سيحدث في حال منح المرأة الحقوق السياسية ، تدل على انه لن يحدث شيء يذكر ، فاي داع اذن لاقامة الدنيا واقعادها بحقوق المرأة .
اجيب : ومع ذلك فاني من اشد انصار منح المرأة هذه الحقوق السياسية التي لن تستعملها الا بمقدار . انا من انصار ذلك ، كما انا من انصار تعليمها ، اطلاق الحرية لها بان تعلم قدر ما تشاء ، مع الوثوق والتيقن بان هذا لن يغير شيئاً من طبيعة

