هل قرأت سفر ايوب ؟ ان لم تكن فقد فاتتك قطعة خالدة حاول كاتبها ان يحل ستر الانسانية الغامض : الشر ، البؤس ، الألم من المسؤول عنه الانسان ام الآلهة ؟ ولكن لا ايوب ولا صحبه من العرب الذين عادوه في محنته حلوا المشكلة وسيبقى الألم والبؤس من عناصر الحياة وسنظل امام اللغز حيارى .
يبدو لنا في ساعات الضعف ان مقضيّ علينا ان نعيش في معترك الظلمة والنور وان نتخبط في مهمه الشر والألم فيفوتنا ان الحياة كالوردة فيها شوك وفيها رائحة ولون ، وكالليل يتلوه صباح ، وكالعاصفة يعقبها سكون ، وكالغيمة السوداء لها وجه نحو الشمس مبطن باللجين ، وكالوادي المكتنف بالضباب يجلل النور والجبال من على جوانبه . ومن ذا الذي ينتحر ؟ من لا يرى الا جهاما ، ومن ذا الذي يبتئس ؟ من لا يرى الا ظلاما . ولكن الانتحار خطيئة ، والابتئاس ضعف ، انما خلق الله الدنيا بهجة وارادها للانسان مرتعاً وملعباً .
حاشاني ان أنكر ان للحياة وجهاً قاتماً ! ألم تر اباً يضع زهرة على قبر ، اما رأيت ثكلى مسربلة بالسواد ؟ اما رأيت نعشاً يقل حبيباً ؟ للموت ، وهو الحقيقة الثابتة كالحياة ، جلال ورهبة ودهشة . ولكن الموت لا يقوى على الايمان ، ولا ينتصر على الرجاء : « لا تحزنوا ، في بيت ابي منازل كثيرة » ايتها النفس .
نعم ، يشيع الموت الحزن ولكن الايمان يبعث الرجاء .
ارأيت ولداً اعمى ؟ ارأيت شاباً مصدوراً ؟ اشاهدت اماً تحتضن طفلاً محموماً ؟ المرض ، هذا الشبح المخيف يجرد الحياة من بهجتها ، فلا نعود نرى في غروب الشمس جمالا ، ولا في ازاهر الحقل رونقاً ، ولا في اغرودة الطير سحراً . ولكن المرض طارىء ما ان تتغلب عليه حتى تعود الحيوية فينا ويدب النشاط فتتراءى لنا الحياة متعة وحبوراً .
ارأيت اكواخاً ؟ ارأيت اسمالاً ؟ ارأيت شحوباً ؟ ارأيت الهم يمشي ؟ الفقر ، هذا البعبع المخيف ، الفقر مورث البؤس والشقاء يجعل من بهجة الحياة بشاعة ومن جمالها قبحاً ، ومن مسراتها تحرقاً . ولكن الفقر طارىء . الفقر من ظلم الانسان ، ومن
من نهمه ، من جهله ، الفقر تخلٍّ عن العدالة الاجتماعية . اما الارض ، هذه الارض الجميلة فغنية بوفرها ، ملأى بخيرها ، رحبة بسهلها ضاحكة بجدولها باسمة برجها . الارض سخية باطايبها كريمة بلذاذاتها ، والفقر الكالح عدو الارض الخيرة .
ارأيت فاشلاً في الحياة ؟ ارأيت قانطاً عبوساً ؟ اليأس والقنوط من مبشعات الحياة . ولكن في الحياة املاً وفي الحياة رجاء .
الا تثور لمرأى القسوة ؟ الا تغضب لمرأى الظلم ؟ الا يخدش اذنيك وقع الكلمة البذيئة النابية تسمعها في السيارة والحافلة وعلى قارعة الطريق ؟ الا تشعر بصغر انسانيتك وانت تعايش قوماً يتركون من قذارتهم عند منعطف الشارع اثراً ، وعلى سور الحديقة بهيمة ؟ القبح والبشاعة من مشوهات الحياة ، ولكن في الانسانية حناناً ورحمة ، وفي الحياة لطفاً وشفقة ، في الحياة موسيقى ، ووراء السور القذر جنة فيها بنفسج ومنثور .
سيداتي ، وسادتي ، لست كالنعامة التي تخفي رأسها في الرمل ، ولست بقائل لكم ان تغمضوا اعينكم عن مصائب الحياة . انا من صميم هذا المجتمع المتألم ، وانا ابن هذه البيئة المكلومة ، احس باحاسيسها واتألم بآلامها ، وآسى لجراحها . وادرك اننا نعيش في فترة من اشد الفترات حلكاً . قد تكون الانسانية باجمعها في مرحلة تودع فيها اسلوباً في العيش والتفكير لتستقبل عصراً جديداً مضمخاً بالامكانيات . وانا اعلم ان فترة الانتقال عصيبة ، تعتريها انتفاضات وترافقها فواجع ، ويلابسها احزان ، وانا موقن ان الانسانية ستتعمد بعد بالنار والدم قبل ان ينبلج فجر المحبة والجمال . ولكني اطلب الى مواطنيّ ان ينظروا الى ما بعد الغيمة السوداء ، الى حيث النور .
يروّعني في هذه الفترة من تاريخ لبنان هذا التشاؤم ، ويخيفني هذا القنوط ويحزنني فقدان الامل والثقة بالنفس . يقلقني هذا الخوف المستحوذ على عقول الناس ، والخوف عنصر في حياتنا غريب فهو من عناصر الحياة الاولى ، هو حافز للبقاء ودافع لما فيه الخير ، ولكن الخطر كل الخطر في الخوف الذي

