يدفع بنا الى الاختباء ، الى الانهزام ، الى الانكماش ، الخوف الذي يلقي على العقل ضباباً كثيفاً لا نقوى معه على التفكير الرصين الهادئ ، والشجاعة اشد ما نحتاج اليه في الملمات . ولكني احب ان انظر ابداً الى ناحية الاشراف وأتخيل ما نمر به ازمة عارضة وسنخرج من وسط الضباب منتصرين لا خوف من الازمات الروحية . نعم تثبط العزائم ولكنها تصقل الروح ، تميت ولكنها تعود فتخلق منا خلقاً جديداً ، تعصف بضعاف الايمان ولكنها تبعث فينا الانبياء . في مثل هذه الازمات انعصرت النفس الانسانية فانشدت شعراً خالداً ، مزامير وصلوات وفي الضائقات ولدت نفائس التراث الروحي المجمل للحياة .
وان اعجب فعجب امرئ يرى
القبح في غير موطنه والبشاعة في غير اهلها . اذ لا يمكن لبنان ان يكون موطناً الا للجمال ، ولا يمكن اللبناني الا ان يعبد الجمال ، فلبنانه ، منذ ان كان لبنان ، ملعب الاسطورة ، ومسرح الخيال ، وموطن الشعر والجمال . والقبح والبشاعة في جميع مظاهرها نفي لجمال لبنان وسحره .
وان اعجب اخيراً فعجب امرئ يرى اليأس في غير موطنه والاستسلام في غير اهله . كان اللبنانيون القدماء منذ الاف السنين عند مقدم الربيع يرمون عند مصب نهر ابراهيم دمية شبحاً لتموز اله الحب والخصب والخير . ثم بعد ثلاثة ايام يصعدون في الوادي زرافات الى اعالي الجبل عند افقا حيث
كانوا يعيدون عيد انتصار الحياة على الموت ، عيد قيامة تموز من الموت . وفي سكرة من سكرات الحياة وفي نشوة من نشواتها كانوا يستسلمون فترة الى بهم الحياة الثائرة المنتصرة . كانوا يطلقون العنان للحياة تعبيراً عن الحياة فكان العيد في نظر المسيحية الاولى رجساً وإثماً وفاتهم ان العيد تعبير صاخب عن فوز الحياة عن انتصارها على الموت .
لا يمكن لبنانياً ان يكون يائساً قانطاً مستسلماً . اليأس والقنوط نفي لامل لبنان ورجائه ، لا يمكن لبنانياً ان يستصغر الحياة وهذا ارزه قاوم الموت وهذه جباله تهزأ به .
الحياة جميلة واجمل منها صراع الانسان ضد القبح والبشاعة .

