عندها قفز لويس وملء برديه المحبة والعطف ووقف امام الصغار متسائلاً عما يكون الامر الهام .
تقدم اذ ذاك صغير في الخامسة عشرة من عمره يدعى بوبي آدامس وقال : انه ذلك الارغن ذو الانابيب الذي سمعناه في كنيسة واشنطن . لقد حزمنا امرنا على شرائه » .
- « وهل تعلمون كم يكلف ثمنه ؟ »
- « طبعاً » قال بوبي ، « اننا نعرف جيداً انه غالي الثمن ، وقد يكون ثمنه خمسمئة دولار . لذا فقد عزمنا على العمل وكسب المال بعد اوقات الدراسة ، واردنا ان تكون اول شخص يطلع على هذا الامر » .
رمقهم لويس بنظرة هادئة وقال : « ان ثمن الارغن الصغير يكلف ٢٥ الف دولار ! » .
دهش الصغار واستولت عليهم الحيرة . اما لويس ، فقبل ان يدير ظهره ليعود إلى عمله ، قال ماجناً : « اذا كنتم حقاً تريدون الحصول على ارغن ، فما عليكم الا ان تصنعوا واحداً » .
« انها لفكرة عظيمة » ، صرخ احدهم . « سنصنعه بانفسنا ، ولكن هل تساعدنا كما ساعدتنا في انشاء الجوقة ؟ »
كان لويس يقطع الممر مسرعاً ، يسائل نفسه عن عدد السنين التي يستغرقها صنع ارغن ، ان اراد المرء ان يقدم على عمل كهذا !!
وفي مساء اليوم الثاني ، حضر لويس تمارين الجوقة ، لكنه بدأ العمل بقسوة حين قال مازحاً : « لقد كنتم تبنون قصوراً في الهواء ايها الصغار ! تصوروا انفسكم تصنعون ارغناً بانابيب !! » .
ما كاد لويس يفوه بكلمته تلك حتى علت وجوه الصغار خيبة مريرة ، ومات
ذلك الحماس الذي استقبلوه به ، وتحول إلى نظرات ملؤها الألم والانزعاج . قام الصغار بتمارينهم ، لكن قلوبهم لم تكن هناك . وبعد الانتهاء من العمل ، خرجوا بكل هدوء ، لكن تلك الجذوة كانت قد خمدت .
أدرك لويس آنذاك ان لا بد له من البدء بالعمل المستحيل ، فطلب اليهم ان يعودوا وقال لهم بكل اخلاص : « لا اعتقد انكم تقدرون ما تريدون ، انه حقاً لعمل شاق مرهق ، قد يستغرق شهوراً ، لا بل سنين عديدة ، لكنكم ان اصريتم على البدء بالعمل وانهائه ، فسنحاول » .
ان اولئك الذين كانوا يبتاعون حاجياتهم قرب مخزن دين سيدكرون طويلاً صباح ١٧ ايار ١٩٤٨ حين ظهرت سيارة شحن كبيرة محملة بانابيب للارغون متجانسة ، ومعدات للعمل ، وسطول للماء ، وفرشايات وغيرها من الحاجات اللازمة . وفوق هذا العمل كله ظهر الصغار وقوفاً يغطون كل انش من الامكنة الفارغة . وقد تجمع سكان القرية ووقفوا يتفرجون على الفتية ينزلون ٧٠٠ أنبوب قديم ويضعونها في فسحة الكنيسة .
انصرف الصغار إلى عملهم بكل جد ولم يعبأوا بالمتفرجين الواقفين . وكان لويس قد وجد لديه بضعة انابيب جمعها في اثناء تجواله ، فضمها إلى المجموعة في فسحة الكنيسة . انهمك الصغار في تنظيف هذه المجموعة الكبيرة ، غير عابثين بالهازئين من الجماهير التي تكاثرت حولهم ، ولما لحظ هؤلاء عدم مبالاة الصغار بهم ، انصرفوا عنهم ، وكانت الشمس قبل نحو المغيب .
في المساء ، بعد ذلك العمل الشاق الذي تورمت ايديهم من جرائه ، حمل الصغار الانابيب فوق السيارة وذهبوا
بها إلى الطابق الأسفل من منزل لويس حيث سيصنع الارغن . وبين ليلة وضحاها انقلب ميناء بلاسيد دكانا كبيراً للعمل ، فانتشرت المعدات هنا وهناك ، وكان لويس ينظر اليها ويلوم نفسه على ما أوقعها فيه .
منذ ذلك النهار كان منزل لويس يعج بالصغار صبحاً وظهراً ومساء ، حيث هيأوا مئات الحواجز للانابيب الهوائية وحضروا ألوف القطع الصغيرة اللازمة .
وذات يوم وقع ما لم يكن بد من وقوعه . فقد جاء الوقت الذي فيه احتاجوا إلى شراء بعض القطع الثمينة لاتمام العمل . ولويس ، الذي كان شديد الكره للجولات الخطابية ، قام بتضحية كبيرة لجمع المبلغ المطلوب . والفتيان ، الذين كان كل منهم متديناً ، ومن الذين يذهبون دوماً إلى الكنيسة ، صلوا بحرارة ان يرسل الله شخصاً عنده المام كاف بشراء اجزاء الارغون ، وآمنوا في قرارة نفوسهم انه لا بد آت ، وانتظروا بشوق .
وفي احدى العشيات تحقق املهم ، عندما فتح لويس الباب وقال بصوت بدهشة يسبغها الهدوء التام : « لقد استجيب لصلاة مجموعة كبيرة من الصغار ! » وكان القادم المحامي جو هوايتفورد ، احد

