يُروى انه كان لملك عظيم ابنة جميلة وكانت تلك الاميرة الصغيرة موضع اهتمام ابويها يبذلان جهوداً كبيرة في سبيل تثقيفها وتهذيبها . فكانت كلما نمت ازداد جمالها وطار صيتها في جميع انحاء العالم . فتكاثر الراغبون في زيارة الملك قصد الحصول على يد الاميرة الحسناء ، وتوارد الامراء الى قصر ابيها حاملين الهدايا الثمينة وسائلين المولى ان يمنحهم رضى الملك ويد ابنته . غير ان كل امير بعد مقابلة الاميرة كان يغادر قصر والدها دون ان يفوه بكلمة .
لم يكترث الوالدان الفخوران ، في باديء الامر ، الى تلك البادرة ولكن عندما كثر عدد الذين اتوا وغادروا القصر من ذوي الشهرة والجاه شرعا يتساءلان عن سبب هذا التصرف الغريب . وبعد تداول في الامر فطنت الام الى انه عندما كانت الاميرة طفلة اختطفت الساحرة الرديئة قلبها ، في ثورة غضب على والدها الملك . فصاحت الام : « الاميرة بدون قلب ! هذا هو سبب ابتعاد الناس عنها وعدم رغبة الامراء في الاقتران بها ! » فقال الملك : « لا شك في ان هذا هو السبب لحياتنا المتوالية . اذا كانت هي لا تملك قلباً يحب فكيف يرجى ان يحبها الآخرون ؟ المحبة هي وليدة المحبة » .
ارسل الملك في الحال واستدعى الساحرة فاعترفت بفعلتها ووعدت بان تعيد القلب الى الاميرة اذا هو اجزل لها العطاء . فقدم لها كل ما ارادت .
حالما استردت الاميرة قلبها تجلت نفسها بنور جديد وتوهجت عيناها بحرارة
الحياة ولمع فيها الشعور الرقيق وليس الا بعد ذلك الحين حتى اصبحت الاميرة جميلة حقاً . جميع تصرفاتها اكتسبت فتنة ورقة وشعورها نحو الغير اصبح مصدر جاذبيتها وتعلق الناس بها .
عندما نواجه الام لاول مرة في حياتها مسؤولية الاعتناء في طفلها اول ما يقلق بالها هي مشكلة الطعام ، ماذا يجب ان تطعم ولدها كي ينمو جسده نمواً طبيعياً ومن ثم تحول اهتمامها الى كيفية انماء عقله وتغذيته . كل هذا حسن وضروري ونحن نود ان نحث الامهات على الاكثار من مثل هذا الاعتناء . ولكن هذا وحده لا يكفي ، علينا ايضاً ان نؤكد ان اطفالنا لها قلوب - قلوب دافئة محبة - وعلينا ان نهيء الاجواء اللازمة لانماء تلك القلوب وحفظها من كل اذى .
اني اتألم كثيراً كلما رأيت اماً مثقفة تبذل قواها وتصرف معظم اوقاتها في الاشغال المنزلية حتى اذا اقترب منها طفلها يترغل فرحاً راجياً ان يحصل على قسط وافر من اهتمامها وجدها منهكة القوى تعبة ، ليس لها جلد على ملاعبته ، فتدفعه عنها دون ان تعيره اي انتباه . انه لمن الضروري ان نهتم في شؤون منازلنا وحسن ايضاً ان نعيرها ما فوق الاهتمام العادي شرط ان لا يكون ذلك على حساب تلك القلوب الرقيقة التي تلتفت نحونا دائماً في طلب المحبة .
ان الاولاد تعطش للشعور بالعطف نحوها واذا لم تحصل على هذا العطف الفياض من ابويها تفقد كل سرور في الحياة وتشرع تتخلق وتتذمر . لذلك
يتوجب على الام ان تريح نفسها وتروض عقلها حتى يظل لها صبر على محادثة وملاعبة اطفالها ، لانه من اولى المسائل التي تملأ قلب الولد سروراً وتخلق جواً للنمو الروحي اهتمام الوالدين في شؤونه الخاصة اهتماماً حقيقياً شاملاً يتناول جميع احتياجاته النفسية .
في الآونة الاولى من الحياة ينمي الفرد عادات تفكيره وشعوره . حبه لوالديه هو اساس يبني عليه حبه للاخرين . ان تلك القبلات الدافئة التي تتبادلها الام مع طفلها وتلك المظاهر اللطيفة لحينها الفياضة تترك اثراً عظيماً على حياة طفلها وسعادته في المستقبل . ان بعض الامهات يعتقدن انهن اذا اظهرن شعور محبة نحو اولادهن يكن قد اسأن الى تربيتهم فيجهلهن اسس التربية الصحيحة يسمحن لتلك القلوب الثمينة بان تقسى وتتمرمر . ليتهن يدركن ان مظاهر المحبة لا يمكن ان تفقد الولد شخصيته ولكن ما يفقده اياها هو عدم الاكتراث باحواله والاهمال لحاجاته النفسية وقلة الادراك لاحلامه وامانيه .
ان علماء النفس اصبحوا يصفون « عواصف الام » كدواء لبعض التصرف المتعصي . مثل ذلك ان ولداً كان قد كون بتصرفاته الشاذة مشكلة لاهله ولطبيبه فطلبوا معونة عالم نفساني ليدرس تصرفات الولد وتطوراتها . بعد الدرس والتدقيق وجد العالم ان الولد طبيعي تماماً لا ينقصه سوى الشعور بالمحبة . فأشار على الام بان تضع ولدها هي بنفسها في الفراش كل ليلة وتهمس في اذنه « امك تحبك كثيراً » . تلك العبارة البسيطة المهموسة بلطف ورقة مرفقة بضمة محبة تضمن له حقيقة تعبيرها غيرت جميع تصرفات ذلك الولد .
كثيراً ما يشكك الاولاد في صدق محبة والديهم لهم لذلك على الوالدين ان لا يفسحوا مجالاً لتلك الشكوك اذ ان

