الولد الذي يترك لشكوكه وقتاً من الزمن لا بد من ان يولد في نفسه ما ادعوه - شللاً اجتماعياً - اي يصبح شخصاً لا يثق بشعور الناس نحوه ان كان ذلك الشعور شعور محبة او احترام او تقدير او غيره بل يعيش في جو من الاضطراب العاطفي الذي لا يلبث ان يولد في نفسه شعوراً بالنقص لظنه انه ليس هنالك من يهمه امره فينسحب عن العالم ويلف نفسه بنفسه.
بينما كنت يوماً في زيارة صديقة لاحظت ان ابنها - ولداً في الرابعة من عمره - كان منهمكاً في تكسير الجوز ولاحظت ايضاً انه كان يضرب الجوزة ويؤذي اصابعه مراراً ربما تنكسر. ولم نلبث الا برهة حتى اقترب الولد من امه وعلامة الاعجاب بنفسه مرتسمة على وجهه الباسم وفتح يده المغبرة وأرانا قبضة من لب الجوز قائلاً: «خذي كلي
هذا يا امي، انا كسرت كل الجوز لوحدي. اكلت القطع الصغيرة المطحنة وتركت القطع الكبيرة لك». اما الام، التي كانت منهكة عنه تخبرني انه يستحيل عليها ان تبقي ولدها نظيفاً فقد نظرت اليه باشمئزاز وقالت: «الا تخجل من ان تظهر بهذه القذارة امام ضيوفنا؟ عد الى الخارج واترك هذا الجوز القذر لنفسك». حالما سمع الولد كلام امه علا وجهه احمرار الخجل ثم نظر الى ما حوله باستغراب وخوف وركض مسرعاً الى الخارج.
حالما ابتعد نظرت الام اليّ وقالت هازئة: «ارأيت ما اصغر عقول الاولاد؟ اعتقد من كل عقله اني سأقبل هديته». اما انا، وقد تألمت كثيراً لهذا الحادث فاجبت: «كنت اتمنى لو قدم لي تلك الهدية. انا كنت قبلتها من يده بسرور. ما هي اهمية قليل من
الغبار على لب الجوز بالنسبة الى جرح شعور ولد ثمين مثل ولدك؟» صمتت الام قليلاً ثم سمعتها تتمم والدمع يخنق صوتها: «حفظ الله قلبه! لا يوجد في الكون اعز منه! هذه امثولة لن انساها مدى حياتي». ثم التفتت نحوي وسألت: «هل تظنين انه يفعل ذلك مرة اخرى؟»
علينا نحن الامهات، واجب عظيم في الحياة، واجبنا الاول هو ان ننمي ونحافظ على قلوب اولادنا كما نهتم بحفظ وتنمية عقولهم واجسادهم. بصبر الوالدين وعطفهم وفهمهم التام لنفسية اولادهم تخلص قلوب هؤلاء من المرارة والتمرد. وبمحبتهم الفياضة يحفظونها من داء الشلل الاجتماعي. ولنذكر دائماً ان كل امريء يملك قلباً معطوباً لا يقدر ان يحب بسهولة ومن لا يقدر ان يحب الآخرين تتعذر على الآخرين محبته.

