
رأيت ا. ف. للمرة الاولى اثناء الامتحانات التكميلية زمن الانتداب ، كانت عضواً في اللجنة الافرنسية وكنت عضواً في اللجنة اللبنانية التي كان يفرح اعضاؤها مرة كل عام باجتماعهم الى كبيرة الاستاذات السيدة حنه ابو الروس ، تلك الظريفة بين اهل الظرف وما اقلهم بين الادباء ارباب الادب الفواح في هذا البلد الباكي .
كنا نتجمع في صباح اول يوم من الامتحانات حول كبيرتنا فتضاحك هذا وتداعب تلك وتمني نفسها بوجوع « الحوليات » كذا كان يحلو لها ان تسمي اجتماعاتنا السنوية في بناية تياريس او في مدرسة حوض الولاية .
في صباح من تلكم الاصباح لفت نظري ثوب من الاطلس دَمَجَ قداً اهيف وبرز منه وجه ذو جمال غير مألوف ، بل قل
يندر ان تقع على مثله العين ، ونظرت الى صديقتي حنة معجبة ، مستفهمة فقالت :
- هذه السيدة ا. ف. استاذة الادب الافرنسي في مدرستي انها اجمل امرأة عرفتها جسداً وعقلاً ، ولكنها تعيش في مأساة مستديمة . وروت لي شيئاً من حكايتها .
وتشاء الاقدار ان التقيها ثانية ، وبشاء حظها العاثر ان تترك مركزها في الحكومة اللبنانية ، فتسافر الى باريس ، ثم تعود الى بيروت لتكون قريبة من ولد لها علقت به روحها كما لم تعلق ام بولد ، لم تجد عملاً يقوم بنفقاتها فقبلت عملاً موقتاً في الكلية الافرنسية - في صف من الصفوف الابتدائية - لقاء ٥٠ ليرة لبنانية في الشهر . وهكذا وضعتنا الايام وجهاً لوجه ، نعمل في معهد واحد .
وفي احد الايام دعتني صديقتي الانسة ا. ق. لقضاء امسية مع بعض الصديقات ودهشت اذ رأيت « صاحبتي » الافرنسية بين المدعوات .
كانت ترتدي ثوباً من الدانتلا السوداء وقد حزمت خصرها بقماش من الجورجيت الاخضر فتدلى بعضه جانباً بشكل عقدة ربطتها يد ألفت الاناقة والذوق الرفيع .
وذهب المدعوات وطلبت صديقتي ان ابقى بعض الساعة لأمر يهمها لانه يهم السيدة ا. ف.
وجلسنا في الردهة ، حول الكانون النحاسي ، فروت لي صديقتي ان المسكينة وجدت طريق بيتها وجاءتها تستغيث !
اما حكايتها ، فانها تزوجت في باريز من شاب لبناني ينتمي الى عائلة ذات وجاهة وفضل ، وجاءت معه الى لبنان ، ولما كانت تحمل شهادة دار المعلمات العليا تعينت استاذة للادب الافرنسي في مدرسة البنات الاولى ، وفي عطلة الصيف بينما كانت وحدها في زيارة اهلها حمل اليها البريد ورقة الطلاق . في هذه الاثناء مرض ولدها واشرف على الخطر فاستدعاها زوجها ، ولما وصلت وكان الولد قد ابل حيل بينها وبينه ! وها هي ما تشتهي إلا العيش حيث يعيش والا ان يسمح لها لتكون له مربية وخادمة .

ان حياتها بين يدي القضاء اللبناني ، وتحت رحمة زوجها فهي تريد الولد وزوجها لن يسمح لها به وفيه ذرة من حياة ، وهو لا يبرح متنقلاً به من مدينة الى مدينة ، فما ان تستقصي
وتعلم اين هو حتى ينقله الى بلد ثان ! وتسعد احياناً - في بعض الآحاد يوم عطلتها الوحيد - وتقصد المدينة التي نُقِلَ اليها ، فتلبس ملاءة ونقاباً وتقف بعيداً عن البيت حيث انزلوه آملة أنهم يخرجون به الى النزهة فتلمحه من بعيد .
علمت بعد هذه الجلسة ان ما شد السيدة ا. ف. الى صديقتي ا. ق. هو ان الاخيرة ذات القلب العطوف الكبير سعت لدى والد الزوج - وكان شهماً عالي النفس - فسمح لكنته ان ترى ولدها في بيت صديقتي خفية عن زوجها وعن كل فرد من عائلته .

ومرت شهور طويلة على ا. ف. شهور شظف وحرمان وتَعَب ومرارة عيش . شهور مراجعات ومشاورات قضائية مضنية ، مهلكة . اما تفاصيل تلك الدعوى بين الزوجين ، التي شغلت محاكم بيروت زمناً فلا تتسع لها سطور محدودة في حقل له مكان محدود من « صوت المرأة » .
كانت حياتها مقسمة بين عملها في الكلية الافرنسية وبعض الدروس الخصوصية وزيارات المحامي . اما الدقائق السعيدة