
القليلة فكانت تصرفها في بيتي وفي بيت صديقتي ا. ق. وكانت تلقبنا « بشقيقتيْ روحها » .
وأخيراً ، صدر حكم المحكمة بأن يكون الولد مدة تسعة شهور من السنة عند أبيه وثلاثة شهور عند أمّه ...
ولكن الزوج أرسل الولد مع جدته إلى القاهرة .
★
وجاءت عطلة عيد الفصح فنويت قضاءها عند شقيقتي في القاهرة . وعلمت ا. ف. بسفري فقالت « أسافر معك » فاشترينا التذاكر – ذهاباً وإياباً – وسافرنا في باخرة رومانية اسمها « بسارابيا » كانت تسافر سفرتها الأولى إلى بيروت فالإسكندرية في بيروت .
ووجدتني ، مرة ثانية ، أعيش مع مأساة هذه المرأة التي ما مشت إلا ومشى معها السحر والفتنة مجردين عن كل روح « أنوثة » أو روح إغراء ... ذلك كان اللغز البارز في نظراتها وحديثها وسكوتها وجمودها . وكثيراً ما كنت أسأل :
– ألا تدري صديقتك الأفرنسية إنها جميلة ؟ أتراها تحتقر « الرجال » أم تتطلع بعينيها ولا ترى أحداً ؟؟ أهي غارقة في حب زوج أو خطيب ؟ ومن هو هذا المطوّب السعيد ؟؟
فكنت أجيب :
– إن صديقتي مأخوذة بسحر حب عميق ، عميق ! ولكنه حب لا تفهمون منه شيئاً أنتم الرجال ...
في هليوبوليس نزلنا معاً في بيت شقيقتي وزوجها . وتطوع كرام من مصريين ولبنانيين وراحوا يفتشون عن مقر الولد لينفسوا عن قلب تلك الأم المكلومة . ولما وجدوه حزمت حقيبتها الصغيرة وذهبت إلى القاهرة لتكون قريبة من الولد فتراه مرة أو مرتين أو ثلاث حتى رجوعنا في الباخرة « بسارابيا » .
وفي الموعد سافرت إلى الإسكندرية وصعدت إلى الباخرة انتظر صاحبتي . انتظرت طويلاً على الظهر أحدّق في القادمين . وطال وقوفي وغابت الشمس وبدأت أنوار الكهرباء تسطع على المرفأ ، وكان البحارة يهمّون برفع السلم ، والآلات تشخر داخل الباخرة وإذا بصاحبتي تندفع من بين المودعين الواقفين على الرصيف وتصعد السلم . كانت تلبس قبعة واسعة من القش الطري الأصفر وقد شدت طرفيها قرب الأذنين بشريط
من المخمل الأسود العريض ربطتها ، مائلة ، تحت ذقنها ، وثوباً ربيعياً ظهر منه ذراعاها وعنقها وشيء من ظهرها ونحرها .
واسرعت إلى مدخل الباخرة ، فهجمت عليّ وضمتني إلى صدرها وقالت :
– كما في السينما تماماً ! لو تأخرت دقيقتين لبقيت في الإسكندرية .
ومشت الباخرة وكانت الأسئلة تتراكم في رأسي وتكاد أن تحرق شفتي . هل رأت معبودها الأشقر الصغير ؟؟ هل بلّت قلبها على الأقل ؟؟ وامسكت بيدي