
وسحبتني إلى ظهر الباخرة ووقفنا قرب الدرابزون . قالت :
– ذهبت إلى حيث خبأوه . طرقت الباب ففتح لي . سألت عن السيدة ف. وقلت من أنا وما كادت الخادم تدخل الدار وتلفظ اسمي حتى سمعت لغطاً وحركة أبواب تفتح وتقفل ، ثم استقبلتني السيدة ف. وأنكرت وجود ولدي معها في البيت . لقد خبأوه وخرجوا به من باب داخلي إلى بيت الجيران أو إلى صديقة ، لا أدري . رأيت حذاءه الصغير تحت المقعد ، ولعبه هنا وهناك على البساط وسمعت صوته من بعيد ..
قلت :
– ولم تهجمي وتفتحي الأبواب ؟
– لا !
– ولم تقولي للسيدة أنها تخفي الحقيقة وأن ولدك هناك ؟
– لا . لم أقل شيئاً . إن شقيقة زوجي هي عمة ولدي ، وأم زوجي هي سبب وجوده وسبب وجود ولدي . ثم كيف أقول لسيدة أجلها « أنك تكذبين » ؟!
سأحدثك ، يا من تقرأين هذه القصة الدامية عن شعوري آنذاك . وددت لو أن أحداً يحمل هذه المرأة ويرمي بها إلى البحر فترتاح من حبها القاتل ! هذا ، ولم أشعر هذا الشعور الثوري الغريب وحدي . بل شاركتني فيه صديقتي السيدة أ. ق. فقد قالت لي بعد اطلاعها على ما جرى لصاحبتنا في القاهرة بالحرف الواحد :
– من الغريب يا سلمى أنني أحسست الإحساس نفسه . كنت معها على شرفة بيتي هذا فلما حدثتني وددت لو أنها ترمي إلى الشارع فتموت وترتاح !
★
لما سافرت إلى البرازيل في صيف ١٩٣٩ تركتها في بيروت تطرق الأبواب وتستنجد المحامين والقوانين . وكثيراً ما
حاولت مع صديقتي أ. ق. أن نقنعها بترك هذه القضية الخاسرة سلفاً فكنا كمن يحاول زحزحة هذا الشامخ صنين .
– من يُرد أمراً بكل قواه بنله ! وأنا أريد ولدي وسآخذه في آخر الأمر.
وبين سنة ١٩٤٠ و ١٩٤١ ، كنت في قرية من قرى داخلية البرازيل تقع على حدود ولاية ميناس . فجاءني يوماً بريد سانباولو وبينه جريدة الأفكار لصاحبها الدكتور أبي جمرة فقرأت فيها ما يلي :
حملت إلينا جرائد بيروت حكاية سيدة تدعى أ. ف. وروت « الأفكار » الحكاية كما شاءت الجرائد يومئذ أن
ترويها إلى أن قالت :
على أن أ. ف. لم تيأس من معاندة الأيام ، فنقلت دعواها إلى محاكم فرنسا فرد القضاة الأفرنسيون طلبها. ويظهر أن الأم الجريح يسئت من الحياة دون ولدها فحاولت إغراق نفسها منذ أيام في نهر السين ، ولما سحبها الغطاسون وسألها المحقق عن أسباب انتحارها قالت بحزن :
– لأسباب شخصية تتعلق بي وحدي.
على أن شوقها إلى الموت كان أقوى من الحياة ، فقد حملت أنباء باريس أنها ألقت نفسها من الطابق الخامس حيث كانت تسكن فوصلت إلى بلاط الشارع وتحطمت جمجمة وعظاماً ! ثم لفظت روحها وهي تتمتم : وأخيراً !!
