ما تذكرتها مرة الا وتذكرت كيف مضت هكذا سريعاً الى حيث ستمضي جميعاً ، وما تذكرتها مرة الا وراعني منها هذا الذهاب على غير موعد ، ودون ان تعد نفسها الاعداد اللازم له ، فقد كان لها من شبابها وصحتها ما أفنت اليها منه ، حتى لا يخطر لها ببال .
كانت صاحبتي سيدة انكليزية ، درست في اعلى جامعات بلادها ، ودرست الى حد الحصول على اعلى شهادات الفلسفة فيها ، وكأنها لكثرة ما تعمقت في البحث ، او لكأن هذه الفلسفة التي اخذت بها واخذت ، افقدتها الايمان الا بكل ملموس محسوس ، فخرجت منها وهي لا تؤمن بوجود الله .
ولعل من الانصاف لها ان نقول ، انها كانت حزينة النفس لما فقدت ، متألمة لما آلت اليه ، قالت مرة تحدثني وعيناها تحدقان بالمجهول ، أليس من الغريب ان يؤمن زوجي ، الرجل العسكري ولا اؤمن انا الانثى .. ؟ لقد فقدت الملجأ الذي يلجأ اليه المتعب فيستريح ، والصخرة التي يتعلق بها الغريق فينجو .
ولعل صديقتي بعد ذلك ، ولهذا السبب نفسه ، حرصت على ان لا تخسر ابنتها ما خسرته هي فراحت تنشئها نشأة دينية حقة ، نشأة من يؤمن بإله خلق هذا الكون ودبّره وما يزال يدير فكأن الطفلة على سريرها كل مساء ، مغمضة العينين ترفعها الى اعلا ، مطبقة الكفين متخشعة تتلو صلاتها الساذجة : يا رب احفظ بابا وماما واجعلني طفلة جيدة - كأنها في ذلك الوضع ، الساري في البادية ، ثارت حوله اعاصيرها ، فاتخذ من الفضاء معبداً ، السماء سقفه ، والنجوم شموعه ، والرمال ارضه ، ثم جثا يحتمي بالخالق ، اعظم واقوى الكائنات طراً .
فكرت بهذه السيدة التي جاورتني اعواماً ، فاختبرتها خبرة الجار للجار ، وراقبتها مراقبة الصديق للصديق ، فما رأيت اسمى ولا امتن من خلقها ، فكرت بها تسير في الحياة سيرها الذي لا غبار عليه ، تهرع الي احياناً تعسة لتقول بانها اخطأت عندما فكرت الفكرة الفلانية ، لها كل هذا الضمير المستيقظ ومع ذلك لا تنشئ ابنتها كنشأتها ، بل تود لها نشأة دينية قوية .. ثم تلفتت حولي اراقب موكب الحياة فرأيت الناس انواعاً ، واحداً وهو الاقل الاقل ، يسير في الدنيا وشعاره « لن افعل الشر
لان الله يراني ، ان عينه تراقب ويده تنتقم ، اوه لن افعل الشر لأن الله يراني ، ان نعمته علي تستوجب حبه وبركته على بيتي تستحق طاعته ، هذا النوع يسير في الحياة هانئاً ورعاً ، عطاء الله لديه مشكور وحرمانه افتقاد ورحمة ، يقطع المرحلة راضياً ، ثم ينتظر المصير مطمئناً ...
ورأيت نوعاً ثانياً وهو الاقل الاقل ايضا ، يسير في الحياة مستقيماً وشعاره : « لن افعل الخطأ لأن لي من خلقي علي رقيباً ، لا بد ان اتعالى عن الدنيا منشداً مع الشاعر :
يسير في الحياة ناجحاً غير هانيء ، لأن فكرة مزعجة تقلقه كل ما خلا الى نفسه ، وهي اين سأمضي اخيراً ، ماذا هناك ؟
ورأيت نوعاً هو الاكثر الاكثر ، يسير في الحياة وشعاره : « لا حلال هناك ولا حرام ، لا فضيلة ولا رذيلة ، الغاية تبرر الواسطة ، اريد ان انال الشيء اما الطريق فلتكن ما تكون » تلك فئة اضاعت الله فما استطاعت ان تحارب مغريات الحياة ، فاماتت الضمير ، وما عادت تفكر بالمصير .
وتلفتت ثانية الى الوراء لأرى الامس ، لقد كان لنا كما للناس في الشرق والغرب دين ، وكان الدين ينتج خلقاً ، فلما تعلمنا وترقينا رأينا الدين موضة قديمة ... لقد قال لنا علماء الغرب ، او بعض علماء الغرب لماذا نعيش تحت تأثير الخوف من الله ، او تحت تأثير المنفعة لكي ننال الخير من الله .. ؟ لماذا لا نعيش بعيدين عن الدين وتحت تأثير الخلق فقط ، نفعل ما نفعل وشعارنا ، شرفي يمنعني ، بدل ان يكون الله يراني .. واصاخ الناس بآذانهم الى قول العلماء واتبعوها حالاً ، ظن الناس انهم وقد تعلموا اكثر من اجدادهم ، وترقوا الى درجة لم يصلها اجدادهم ، يستطيعون ان يستغنوا عن الدين ، وتأثير الدين ، وتظل دنياهم بخير ، فماذا حدث بعد ذلك .. ؟
لن اذكر لك صوراً كثيرة بل سأكتفي بواحدة ، لقد مرت بائعة اللبن بمنزلنا صباحاً فخرجت امي اليها تشتري حاجتها ، ونحن اطفال المنزل حولها نتفرج ونسمع ، ونظرت الى الاناء الكبير وفيه اللبن الرائب تكسوه القشدة كأنها السمن الاصفر ثم قالت باعجاب ، لبن جيد يا ناجية ما دخله الغش مرة واحدة ، ونفضت ناجية ثوبها باصبعها مستنكرة ورفعت عينيها الى السماء ، واستعاذت بالله وهي تقول ، الله ينجينا من الغش ، اتعرفين مريم يا سيدتي ، لقد شح لبن بقرتها قبل شهر فراحت تمزجه بالماء لتعوض ما حرمها الله ، كأن الانسان يأكل رزقه بالرغم من ربه ، ولكن البقرة ماتت بعد اسبوع فشمت الجيران كلهم بها ،


