واستطردت ناجية تقول بلهجة الواثق ما يقول ، ان الحلال - وتعني بالحلال البقر والغنم وهكذا كانوا يسمونه - ان الحلال لا يحمل الغش وعين الله ترى وتنتقم .
ولا تسلي ، لا تسلي اليوم ، وانت تأكل اللبن المغشوش ، والزيت والسمن وكل شيء مغشوش ، لا تسلي كيف كانوا على جهلهم هكذا ، وكيف اصبحنا على علمنا هكذا ، لقد كان الدين والتقوى يردعان ، فلما توارى الدين ، حاول المخلوق ان يستند الى خلقه ، فاذا بمغريات الدنيا تغلب الخلق ، فينهار .
وبعد فتعالوا نبحث دنيانا في كل مكان ، دنيا الوحل والمطامع ، والشهوات ، والمادة ، تعالوا نبحث كنه هذه الجرائم الوحشية المتكاثرة ، وكيف يتغنون بها ، نبحث تهدم الاسرة باسهل ما يمكن ، كأن هذه العلاقات العائلية المقدسة ، والبيت والاطفال ، بيت من مربعات خشب يهدم ويبنى بيوم ، نبحث في المشردين من صغار وغلمان تكمن فيهم روح الاجرام ، الامهات الصغيرات غير الشرعيات آلافاً ، الشهوات التي تغلي في عروق الناس ثم تندفع فتحول الدنيا ومن فيها وحوشاً تزأر وتفترس .
تعالوا نر ماذا استطاع العلم ، والعلم العالي ان يفعل في انحاء الغرب والشرق ، لكأني بالشيطان قد حل من عقاله يوم توارى الدين ، فراح يصول ويجول ، ويخضع الناس لمشيئته ، وكأني بالسماء قد تنحت وتركت جهنم تسيطر .
تعالوا نغربل ، نبتديء بانفسنا وجيراننا واصدقائنا ومن حولنا ، كم تاجر منا يرى التجار حوله يستغلون ويأكلون حلالاً وحراما فيغتنون ويكدسون الذهب ، بينما يظل هو قانعاً مترفعاً لأن الطمع عيب ..؟ كم امرأة منا لا ترتضي الجلوس الى مائدة خضراء ، او احتساء الخمر مثلاً ، ما دامت ترى كل من حولها يفعلن هذا ..؟ ان كلمة عيب تفقد معناها متى نسيها كل من حولنا ، ومتى طغت روح المدينة او ما نعده مدينة فغمرت كل شيء .. اما التدين الذي يغرس في اعماق المرء طفلاً ، فانه الدرع الذي يقيه الزلل .. وتحضرني الساعة قصة عظيم عاش في حضن ام ورعة حتى الثامنة من عمره ، ثم ماتت وخلفته وحيداً مع الزمن ، فتدنى كثيراً وزلّ ، ثم كتب عن نفسه يقول .. واستيقظت بغتة فتذكرت امي ، تذكرت الفضيلة والحياة النظيفة التي عشتها في طفولتي ، تذكرت وجهها الملائكي الشاحب الباسم ، والكوخ او جنة النعيم التي كانت لنا ، فاذا بي اصيح من اعماقي ، اريد ان اعود الى تلك الحياة ، اريد ان اقترب من السماء .. وقد جربت فعدت واقتربت .
وبعد فكم من الزمن ستطول هذه الفترة ..؟ لكأني بالناس ادركوا خطأهم فقد عاد اكثر من معهد في اميركا يدرس عبادة الله بين مواده ، افترى ان هؤلاء وامثالهم قد علموا ان الطبيعة البشرية المتمردة ، لا يشكمها الا الدين ...؟
ثم ماذا يريد هذا المخلوق من تمرده ، ايريد ان يلمس الخالق باصبعه ليؤمن بوجوده ، انه حتى الآن لم يلتمس نجمة من نجوم الخالق ، فكيف بصانعها ، ثم الا يستطيع هذا المخلوق المتفلسف اليوم ، الذي وقف على عتبة العلم فظن نفسه فهم كل شيء ، الا يستطيع على الاقل ان يتشبه باكبر فلاسفة انكلترا شكسبير فيردد معه في هملت إن في السماء والارض اسراراً لم يكتشفها العقل البشري بعد .
« الله يراني » كلمتان لو خُيِّرت لحفرتها في كل معهد ومكتب ومتجر ومطبخ ، في ظلام الليل ونور النهار . الله يراني طالباً اغش واسرق ، يراني فتاة تخفي عن امها وتنحدر ، يراني زوجة تندفع وراء المتعة المحرمة ، يراني صديقاً يدوس انبل عواطف الصداقة ، يراني تاجراً استغلّ وعاملاً اتهاون ، واخيراً يراني في آلامي ومصاعبي فيقف بجانبي .
لك الله يا صاحبتي الفيلسوفة الراحلة ، لقد فقدت الصخرة التي يتشبث بها الغريق فينجو ، ولقد فهمت ان المخلوق لا بد له من اله يسنده ، فقدت نعمة التدين وما استطعت استردادها ، فلم تشائي الا ان تكتمي تعاستك وتنشئي طفلتك نشأة دينية لئلا تورثيها شقاء الالحاد فتشقى .

