يمتاز القرن التاسع عشر في اوروبا بيقظة الوعي الاجتماعي في نفوس الاوروبيين ، لأنه على اثر انتشار مبادئ الثورة الفرنسية ـ مبادئ الحرية والاخاء والمساواة ـ واعلان حقوق الانسان ، اخذ ابناء الوطن الواحد يشعرون انهم اخوة ، لا فرق في الحقوق بين الرفيع منهم والوضيع ، ولا ميزة للواحد على الآخر سوى ميزة الكفاءة الذاتية ، وان من واجبهم ان يتعاونوا ، وعلى كل منهم مسؤولية يتحتم عليه القيام بها ازاء مجتمعه ، فهب اهل النشاط الى مكافحة الشرور القائمة كالفقر والجهل وسائر ضروب البؤس الاجتماعي ، وتنادى الكتاب الانسانيون ( Humanitarians ) الى تعزيز هذه المبادئ ووقفوا اقلامهم على خدمة الحق والعدالة وظهرت المؤلفات الشعرية والنثرية مشبعة بروح الانسانية ، مبالغة في وصف شقاء الطبقات المحرومة ، ويكفي ان اذكر من هؤلاء الانسانيين كتاباً خالدين نظير شارل ديكنس صاحب « داود كوبرفيلد » و « دكان التحف القديم » و « الآمال العظام » وفكتور هوغو صاحب « البؤساء » واليزابت باربت براوننغ التي وضعت في بعض اشعارها شقاء الاولاد العمال ، يكفي ان اذكر هؤلاء الثلاثة لتعرف اي عواطف جديدة كانت تجيش في نفوس ابناء القرن التاسع عشر وبناته ، ولتتبين شعور النخبة الممتازة منهم بالشرور الاجتماعية حولهم وضرورة السعي لازالتها .
في هذا الجو المشبع بروح الانسانية ظهرت فلورنس نيتنكال المرأة التي كانت باعمالها الانسانية وخدمتها للبشرية المعذبة اعظم اثراً من اي كاتب انساني ظهر في عصرها .
كان فن التمريض حتى ذاك العهد يكاد يكون مقصوراً على راهبات الاديرة ، اما غيرهن من النساء فعدنه عملاً وضيعاً محتقراً تزاوله احياناً بعض الخادمات حين يعاون على الاعمال المنزلية راهبات المستشفيات واطباءها . ولكن حين احترفته امرأة نبيلة الاصل رفيعة الخلق كفلورنس نيتنكال ، سقطت براقع الجهل عن عيون الناس وضربوا بالتقليد عرض الحائط واصبحت كل امرأة مثقفة في اوروبا تنظر الى الفن ومؤسسته نظرة اكبار واجلال ، هكذا كل عمل تقوم به ، لا تتوقف قيمته على نوعه او كميته ، بل على طريقة قيامنا به وحسن اتقاننا له ،
ولدت فلورنس نيتنكال سنة ١٨٢٠ في انكلترا ، في اسرة شريفة تتمتع بكثير من الامتيازات الاجتماعية ، وهذا ما اتاح لها ان تنال ثقافة واسعة قلما اتيحت لفتاة في ذاك العصر . وقد عرفت منذ صغرها بالميل الى خدمة المرضى وفاتحت اهلها برغبتها الملحة في احتراف التمريض فلقيت منهم مقاومة شديدة لكنها لم تقنط بل كررت طلبها وانتظرت بصبر حتى حصلت على موافقتهم بعد سنين كانت خلالها تمارس خدمة المرضى من ذويها . في الحادية والثلاثين من عمرها سافرت الى المانيا واقامت اسبوعين ثم ثلاثة اشهر تدرس الفن على ايدي راهبات الفليدنرز Fliedners الانجيليات الالمانيات المدعوات Diaconesses في كيزرورث Kaiserworth وواصلت تنقلاتها ودروسها في انحاء اوروبا الغربية فزارت مستشفيات دبلن في ايرلندا ثم قضت شهراً في التمرن عند راهبات المحبة في باريس وبعد ذلك مارست التمريض في مستشفى صغير في لندن ثم في مستشفى ميدل سكس Middlesex . على ان اكثر دروسها كانت شخصية اذ قد اجتمع لديها الذكاء والرغبة مع فرص التمرين والاختبار حتى بلغت في عملها مستوى من الاتقان لم تبلغه ممرضة في عهدها او قبلها .
في هذا الحين حدثت حرب القرم سنة ١٨٥٤ وكانت شهرة فلورنس في التمريض قد طارت في انكلترا . وكان من اصدقائها الاخصاء سكرتير الحرب البريطاني السيد سيدني هيربرت الذي عرف باعماله الاصلاحية ومآثره الانسانية . فقرر ان يسلم الى فلورنس رئاسة تمريض الجيش مع انه لم يسبق لغير الراهبات ان يتسلمن مثل هذا العمل ، ولكن الجيش الانكليزي كان حينئذ في حاجة الى مثل هذه الفتاة اذ كانت عند الفرنسيين والروس راهبات المحبة الممرضات اللواتي لم يكن لهن مقابل عند الانكليز .
رضيت فلورنس ان تضطلع بالمهمة وفي تشرين الاول اجرت الى الشرق مع اربعين ممرضة انكليزية جمعتهن من مستشفيات مختلفة ، كان المستشفى العسكري الذي حلت فيه في سكوتاري في اسوأ حالات الاهمال والقذارة ومعدل الوفيات بين المرضى من خمسين الى ستين في المئة .
في وقت قصير تمكنت الآنسة نيتنكال من تنظيم مستشفيات القرم جميعاً واصبح تحت اشرافها عدد من الممرضات يبلغ المئتين فانصرفت الى ابداع نظام جديد لتدبير الشؤون الصحية في الجيش البريطاني وبفضل حنكتها ونشاطها العجيب هبط معدل الوفيات من ٥٠ في المئة الى ٢٢ في الالف وهي نسبة لم يسبق

