لها مثيل حينذاك .
كانت اول ممرضة اهتمت بالترفيه عن
حالة الجند وانشاء مراكز دائمة لهذه الغاية
في المعسكرات . فقد بذلت جهوداً موفقة
في اعداد وسائل التنظيف والتطهير الآلية
الحديثة وتموين المعسكرات بانواع الملابس
والاطعمة والادوات الجراحية والادوية
وسعت لتجهيزها بدوائر طبية ثم بوسائل
الترفيه الممكنة كدائرة بريد للجيش
وصندوق توفير ودور نقاهة وغرف
مطالعة ونوادي لهو وعناية خاصة
بعائلات الجنود .
ولمعت شخصيتها الفذة ومواهبها
النادرة فكان مجرد مرورها بين المرضى
يحدث فيهم تحسناً وكان هؤلاء ينتظرون
قدوم مصباحها في الدورة التفتيشية كل
مساء كما ينتظر العليل قدوم الشفاء .
ورغم مآثرها الجليلة في حرب القرم
لم تسلم من شر الاعداء والحاسدين الذين
حاكوا المؤامرات لاسقاطها والحط من
شأنها لكن تعلق الشعب الانكليزي بها
ونفوذها عند الاسرة المالكة حالا دون
تلك المساعي ومن ذلك الحين ضمت
حكومة انكلترا مركزها بمنحها وظيفة
ثابتة في المكتب الحربي واعطائها لقب
ناظرة عامة لهيئة الممرضات .
في بلاد القرم اصيبت بمرض شديد
وهذا بالاضافة الى المشقات التي لاقتها في
الحرب اثر في صحتها تأثيراً سيئاً رافقتها
طول العمر . ولو سمحت لنفسها بالراحة
مدة طويلة لاستعادت قواها كاملة لكنها
ابت الا ان تواصل الشغل وتتابع العمل
الذي بدأت فيه .
لم تترك علاقتها بالجيش بعد حرب
القرم بل سعت لاتمام الاصلاحات التي
شرعت فيها . وضعت تقارير سرية
للحكومة عن النقائص التي شاهدتها
والحاجات التي خبرتها وبفضل انتقاداتها
واقتراحاتها تمت اهم الاصلاحات التي
اجريت في ادارة الجيش .
ولفت نظرها موضوع رفع المستوى
الصحي في بلاد الهند فقامت بتنقيبات
واسعة النطاق تناولت مواضيع رئيسية
كالارض والري والضرائب . ووضعت في
ذلك تقارير ضافية اتخذت اساساً لما قام
به الحكام في سبيل تنظيف الهند وتحسين
حالة الجيش البريطاني فيها من الناحية
الصحية .
وقدرت الحكومة البريطانية خدماتها
فمنحتها مكافأة مالية كبرى انفقتها في
تحقيق الفكرة التي راودت نفسها منذ
زمن بعيد وهي تأسيس مدرسة لتعليم
الممرضات حسب طريقتها الجديدة .
وجعلت هذه المدرسة تابعة لمستشفى
القديس توما وسهرت على نشوئها ونموها
حتى نهاية حياتها الطويلة . وكان همها
الاكبر ان تنشيء ممرضات صالحات لا
للتمريض فقط بل ايضاً لتدريب غيرهن
ونشر المبادئ الحديثة في الفن ولهذا
كانت تدعوهن ممرضات مرسلات اي
مستعدات للذهاب الى اقصى الارض
لنشر رسالتهن .
ما هي تلك الرسالة التي ارادت
فلورنس نيتنكال نشرها وما هو محور
طريقتها المعروفة باسمها ؟ لقد تركت
عدداً من الكتب دونت فيها اختباراتها
وبسطت نظرياتها ، اهمها « ملاحظات
حول المستشفيات » « حول التمريض ،
ما هو وما ليس هو » ، نستخلص مما
كتبته ان اول التدابير الاصلاحية التي
نادت بها ان تؤخذ ادارة الهيئة التمريضية
من ايدي الرجال اي من ايدي الاطباء
ومديري المستشفيات وتوضع في يدي
امرأة تكون بدورها ممرضة واسعة الثقافة
والخبرة . ومن ذلك الحين وضعت نظريتها
موضع التنفيذ في جميع المستشفيات الحديثة
واصبحت دعامة النظام المدعو باسمها .
اما النقطة الثانية التي الحّت عليها في
كتاباتها فهي دعوة الناس الى تغيير
نظرتهم الى فن التمريض ، هي الحث على
جعله في عداد المهن النسائية المثلى التي
تقتضي الاستعداد الطويل والدراسة العلمية
الواسعة ، وان يقلع الناس من اعتباره
عمل شفقة وتضحية جديراً بالراهبات
والتائبات ، لان فيه مجالاً واسعاً للخدمة
المثمرة التي تكسب النفس رضى وسروراً
وتجعل مزاولته ينبوع لذة لا سبيل
تكفير أو قهر ذات . ولعله كان في ذلك
الحين المهنة النسائية الوحيدة التي اوجدت
للمثقفات عملاً يجمع بين الرفعة وروح
المغامرة والاصلاح التعميري .
وبلغت شهرتها الولايات المتحدة
فراسلها كبار المصلحين والمصلحات نظير
هاريت مارتينو التي تعاونت واياها في
مشروع مكافحة البغاء . وتركت فلورنس
مراسلات وآراء في شتى المواضيع الصحية
والاجتماعية وساهمت في عدد من المشاريع
العامة كاصلاح مستشفى لفربول ومعاونة
هنري دونان Dunant السويسري في
تأسيس جمعية الصليب الاحمر العالمية .
ورغم انعزالها في غرفتها بداعي التأخر
الصحي ظلت تجاهد وتراسل وتراقب
تطورات عصرها وتبعث اشعاعها في جميع
انحاء العالم حتى بلغت التسعين من عمرها
وانطفأت تلك الشعلة التي انارت عصرها
واحدثت في عالم الصحة والتمريض
انقلاباً لا يقل اهمية عما احدثه باستور في
عالم الطب . ودفنت حسب وصيتها في
مدفن اسرتها ولولا هذا لدفنها الشعب
الانكليزي في كنيسة وستمنستر الى جانب
العظماء العالميين الذي رفعوا ذكر انكلترا
بين شعوب الارض .
روز غريب
١٥
