
وقلما ترى شاعراً او اديباً او مفكراً في هذه المدينة اوما يجاورها لا تعرفه أدربين ولا شك عندي ان هذه الاتصالات التي تيسرت لها ولا تتيسر لكثير غيرها ذات نفع لها جليل .
وهي تجيد الفرنسية وتتقن نطقها ( ما دمت احمل اسماً فرنسيا فيجب ان اتحدث كفرنسية ! ) ، وتعشق باريس التي تعرفها وستصرف فيها وقتاً اطول عما قريب . وكثيراً ما تترجم عن الفرنسية القصائد الملتوية ، بل وتنظم بها - لا بقصد النشر انما « للتمرين » كما تقول . فهي من الشعراء الواعين الذين يرون ان الشعر مراس ونحت ، ولا يضلهم نجاح مبكر ، بل يدرسون تاريخ الشعر ( في اكثر من لغة ) ونقده وتطوره ويدركون ان القصيدة مخلوق يجب ان يُعنى به ويُصرف على تربيته وقت وجهد قبل أن يُدفع به الى معترك الحياة .
وستتوجه في العام الدراسي القادم الى أكسفورد لتتابع دراستها العالية ، لا بقصد تحصيل اية درجة علمية وانما لصرف وقتها في الاطلاع على الادب وعلى أسس نقده وللاتصال برجال الفكر والثقافة في تلك الجامعة الكبرى . ( كنت كتبت مسودة الجزء السابق من هذا المقال عندما أخذت جريدة « هارفرد كريزون » وقرأت فيها ان أدربين رتش احدى الشعراء الذين نالوا منحة مؤسسة ثومتنهايم لصرف عام في أوربا والانصراف الى الكتابة الخلاقة . ولهذه المنحة قيمة كبرى ، وهي شرف يطمح الى الحصول عليه ادباء اميركا جميعاً ، وامتياز جديد لهذه الشاعرة الشابة ) . وتنوي لذا ، بالاضافة الى اقامتها في انكلترا ، قضاء بعض الوقت في فرنسا وايطاليا - وترجو ان تُتاح لها زيارة البلدان العربية يوماً ما .
ولن تكون هذه زيارتها الاولى لأوربا : فقد قامت في الصيف الماضي برحلة الى بعض بلدان اوربا وشمال افريقيا - برفقة والديها ، وكانا قد قضيا في تلك الارجاء شهر العسل وأحبّا مؤخراً ان يجدّدا ذكرياته ! وفي شمال افريقيا رأت لأول مرة الخط العربي فاستهواها جماله كما استهواها منه العبارة عند العرب ، وسرّها جدّاً ان ترى مختارات من كتاباتها ليس فقط مترجمة الى العربية بل ومكتوبة بذلك الخط الذي فيه ذاته شعر ! ( واذا صحّ وصفها للخط بانه شعر ، فهي نفسها شاعرة مضاعفة ! وهذا ما جعلني اقترح ان تنشر قصائدها إما بشكل مخطوطة ، او كألبوم اسطوانات ، فأن قراءتها لشعرها تُضفي عليه الشيء الوفير ) . وقد اطلعت مؤخراً على ترجمات لقصائد عربية وعلى مختارات لشعر عربي معاصر ، فأخذت به واستفسرت بتفصيل عن
عناصره وقيوده وحاله. وانهمرت الاسئلة الواعية عن البلاد العربية ، والنهضة الادبية والنسائية فيها ، ومشاكلها السياسية واحوالها الاجتماعية .
وقد سرّني ان تكون ممن يرى ان المرأة الحديثة ، خاصة في اميركا ، تُغالي في المطالبة « بحقوقها » ، متجاهلة بذلك رسالتها في الحياة .
وإذا كان لزاماً ان اقول شيئاً عن مظهر ادربين الشخصي ، اكتفيت بالقول انها على جانب كبير من الحلاوة والرشاقة والدماثة ، وانها كثيرة التواضع ، تحاول ما استطاعت اقصاء ذاتها عن موضوع الحديث . فكانت عليّ ان اجمع هذه الشتائت مما تساقط من حديثها أثناء لقاءاتنا . وكثيراً ما كنت أسعى الى حملها على التحدث عن نفسها ، فتتحدث طويلاً ، وحين استعيد ما قالت اجد اننا تحدثنا عن كل شيء إلا عنها هي ! ( ام أنني اذكر هذا لأبرر ضآلة المعلومات في مقالي ! ) .
★
إن قبل الكعبة طريقاً مديدة وعرة لكن ادربين رتش تعرف معالم الطريق ، وفي يمينها عصا الحج ، فستكون لذا في طليعة من يلثم الحجر الاسود .
أنا سعيد بان أعرّف قرائي على أدربين رتش .