ولد هذا المصلح الاجتماعي العظيم عام ١٨٤٥ في دبلن عاصمة ايرلندا واستهوته حياة الزهد والتقوى منذ نعومته وقد اثرت عليه نشأته هذه فلم تظهر عليه اية علامة من علامات الذكاء اثناء دراسته الاولى كما لم يتفوق في اية لعبة من اللعبات الرياضية. وعندما بلغ سن الشباب انصرف الى التدريس في مدرسة تديرها احدى الجمعيات الخيرية وفيما عدا ذلك كان يقضي اوقاته بالصلاة والابتهال.
واذ كان منفرداً يصلي بحرارة في احد الايام احس بدافع يدفعه للتبشير في الصين فقصد لندن عام ١٨٦٦ للتدريب والاستعداد ثم للالتحاق باحدى البعثات التبشيرية.
وعند بلوغه الحادية والعشرين ادرك ان حاجة الصين للتبشير وان كانت كبيرة الا ان حاجتها للبعثات الطبية اكبر واكثر الحاحاً فقرر دراسة الطب وفي الحال دخل مستشفى لندن للغاية المذكورة فاظهر هناك مقدرة جسمية وعقلية جبارة لانه بالرغم مما تحتاجه دراسة الطب من وقت وجهد فانه لم يتوقف عن اعطاء الدروس وعن الخطابة في الشوارع وهذا يعني انه لم يكن (يضيع) في النوم الا اقل ما يمكن من الساعات.
ثم بدأ التطور في حياته عندما جعل من مسكنه - وهي غرفة واحدة كان قد استأجرها بما يعادل ١٢٥ فلساً اسبوعياً - مدرسة ليلية اطلق عليها (مكان الامل)... وفي احدى الليالي وبعد انتهاء الدروس وانصراف تلامذه
لاحظ بارناردو ان احدهم ويدعى (جيم) لم يتحرك ولم يغادر المكان فتقدم منه ونبهه بوجوب الانصراف ولما كرر عليه ذلك اجاب الصبي:
- اين اذهب ولا بيت لي ولا ملجأ
- اذن كيف كنت تقضي لياليك السابقة.
- تعودت ان انام بين الخرائب او في الحدائق او تحت الجسور.
فتأثر بارناردو لما شاهد وسمع من تلميذه الذي لم يكن عمره قد زاد على العاشرة واخذه من يده وقاده الى فراشه بعد ان قدم له عشاء حاراً.... الا ان ذلك لم يكن ليخفف من تأثره او يهديء من ثورته بل ظل يفكر بما قد تحويه هذه المدينة العظيمة وهي المركز الرئيسي لتجارة العالم من مفارقات وما فيها من مآسي اجتماعية الى ان توصل الى الحقيقة التالية وهي: ان جيم هذا لا بد وان يكون واحداً من مئات بل آلاف ممن حرموا الملجأ والرزق وهم الآن يئنون ويشكون من البرد والجوع والعري.
واخيراً وبعد مجادلة قصيرة مع جيم تمكن من استدراجه واقتناعه بان يدله على الاماكن التي يأوي اليها امثاله فخرج
الاثنان وبعد ان وصلا الى احدى زوايا الطرق وبدلالة الصبي تسلقا جداراً عالياً وفي اعلى ذلك الجدار المتهدم وجد برناردو (١١) جسما طرياً تتراوح اعمارهم بين التاسعة والرابعة عشرة يغطون في نوم هادي عميق في ظل جدار آخر ملاصق. اما غطاؤهم فالسماء على رحبها واما البستهم فقطع مهلهلة على صغرها.. فهاله هذا المنظر واخذ يحسب للامر حسابه ويعد له العدة.
وما هي الا بضعة ايام حتى عقدت البعثات التبشيرية اجتماعاً حافلاً في القاعة الزراعية حضره برناردو بصفته مرشحاً للتبشير. وحدث ان تأخر خطيب الحفلة لظروف طارئة فطلب المشرفون عليها الى برناردو ان يشغل الحضور بشرح الابحاث والمشاريع التي يسعى لايجادها في القسم الشرقي من لندن. فكانت مفاجأة تهيب لها باديء ذي بدء ولكنه تحامل على هيكله الناحل ووقف في الناس خطيباً. فكانت لكلامه وقع عميق في نفوس الحاضرين جعلهم يصفقون له ويطلبون المزيد من البحث كلما رغب بالتوقف وهم بالجلوس.
وما ان انقضى ذلك الاجتماع الا وانهالت عليه العطايا والهبات ومنها ان احدى الفتيات - وتعمل كخادمة - تقدمت منه متوسلة ليقبل منها المبلغ الزهيد الذي استطاعت ان تدخره لصرفه على المشردين. ولم يقف الامر عند هذا الحد بل اهتمت الصحف بنشر خطابه والتعليق على جهوده مما كان له صدى بعيد الاثر في مختلف الطبقات فمنهم من صدقوه ومنهم من شكوا في اقواله مثل اللورد
