هو في جو احيط من كل الجهات بابواب مغلقة ، ولهذه الابواب فواكير كبيرة لماعة . واقترب سليم من احد هذه الابواب وادار الفاكورة اللماعة ليفتحه ، الا ان الباب لم يفتح ، فتركه واقترب من باب آخر وحاول فتحه ، ولكنه مقفل ايضاً ، عندئذ اخذ يدبّ فيه القلق ، فاسرع الى باب ثالث وهو مضطرب وعبثاً حاول فتحه ، وكذلك فعل بالباب الرابع والقلق والخوف يطغيان عليه ، واخذ يركض لاهثاً من باب الى آخر .. فيجد كل الابواب مقفلة ، لا تفتح ، والهلع في صدره يكاد يخنقه ...
- تقبرني ياماما ، سليم قوم ، شوباك ؟
- لا شيء ، حلم مزعج ، لقد جاء اللحاف على وجهي فضيّق عليّ النفس ، عودي الى فراشك .
ولم يجد سليم ميلاً الى النوم ثانية بعد ان طمأن امه وعادت الى نومها ، وكان خجلاً امام نفسه مما اعتوره من ذعر ولو في الحلم .
غريب هذا الحلم لبساطة تفسيره ! هو هو منذ عامين بلا عمل بعد ان اقفل معمل الزجاج الذي اسس في ايام الحرب وازدهر مدة ، لكنه بعد انتهاء الحرب بمدة تدفقت شحنات الزجاج من اوروبا واميركا واغرقت السوق وبيعت بابخس الاثمان ، فكانت النتيجة ان افلس صاحب المعمل واضطر الى اقفال معمله ، فأصبح سليم عاطلاً عن العمل مع عدد من رفاقه وراحوا يتساءلون كيف ولماذا افلس المعمل ولماذا حرمنا نحن من العمل
وكيف سمحوا للبضائع الاجنبية ان تهددنا بالجوع . وظل سليم بعد ذلك يدق ابواب الرزق واحداً تلو الآخر فيجدها كلها مقفلة في وجهه . وغداً بعد الظهر سيجيبونه عما اذا كان يوجد عمل له في معمل خياطة ، وهذا آخر امل عنده . فهل يكون الجواب نفياً كما في الحلم ؟
ما العمل اذا اجابوه بالنفي ؟ هو رب عائلة ، مات ابوه في السنة الاولى من الحرب واجبر هو على ان يخرج من المدرسة باكراً رغم رغبته في متابعة الدرس ... ويرجع سليم بالفكر الى ايام المدرسة ، كم كان وقتئذ يود ان يتعلم الكيمياء واسرارها العجيبة ، لكنه لما مات ابوه ولم يترك لهم شيئا ليعيشوا ، وجدوا له شغلاً في معمل الزجاج وتعلمت اخته فريدة الحياطة . وكان معاشه في المعمل وما تكسبه شقيقته يكاد ان لا يكفيان لاعالتهم ، اما الآن فقد مضت سنتان على تركه الشغل وهم كلهم يعيشون من ابرة فريدة عيشة العوز ، فهي تتقاضى اجوراً قليلة لان الحياطات كثيرات والمضاربة قوية ، ثم ان بيتهم الحقير ومدخله بين زواريب ضيقة قذرة يكفي لتهريب الزبائن .
اما اخته الصغيرة اسماء فهي تذهب الى مدرسة نصف مجانية اذ رفضوا ان يعلموها مجاناً لان اختها فريدة تتعاطى الحياطة . وامه المسكينة مريضة واهنة القوى ، اصبحت عجوزاً قبل الاوان وحالتها الصحية تسوء سنة بعد سنة وعندما ارسلوا اسماء الى الصيدلية لتجلب
لها دواء رفض الصيدلي ان يعطيها شيئا لطول قائمة الدين عليهم وكلها بجفاء . فتوترت اعصاب سليم لهذه الذكريات المؤلمة .
ولكن الصيدلي على حق ، فيجب ان يدفعوا له وللحام ايضاً قائمة اخرى . ان فريدة المسكينة تقضي النهار والليل منحنية على آلة الحياطة او على قماش تخيطه وهو لا يعمل شيئاً منذ اكثر من عامين ! لكنه يأمل غداً ان يدخلوه في معمل الحياطة ، لقد وعدوه خيراً في في المرة الماضية .
رجع سليم مساء من معمل الحياطة ودخل غرفة العائلة عابس الوجه ونزع سترته ورماها رمياً على كرسي مكسر لا يصلح للجلوس . وقد لاحظت امه غضبه فلم تكلمه بل اكتفت بأخذ السترة وتعليقها وكانت اخته فريدة تدرز على الآلة واخته الصغيرة اسماء ترتب كتبها في محفظتها ، فقالت تكلم امها :


