- قالت المعلمة انه يجب ان نشتري
كتاباً جديداً عن التاريخ بثلاث ليرات .
فصاح بها سليم :
- كل يوم كتاب جديد ، كل يوم
هاتوا مصاري !
سكتت اسماء وانزوت في طرف
آخر من الغرفة ، كأن الذنب ذنبها اذا
طلبت منهم المعلمة كتاباً جديداً .
فوبخ سليم نفسه لعجزه عن كبح
اعصابه ، ثم قال بلهجة الطف من ذي قبل
يبدو فيها التعب والحزن :
- حطوا العشاء .
ثم خرج الى السطيحة المشتركة بينهم
وبين بقية الساكنين في البيت واستلقى
على كرسي مقعده مفخوت : اينما ذهب
يقولون له « لسنا بحاجة الى عمال » او
يقولون « اعطينا عنوانك فذا احتجنا
اليك نرسل لك خبراً » ويمضي الوقت ولا
يتلقى سليم اي خبر . لقد تلاشى الآن
امله الاخير فالى اين يذهب ؟ وقد شكا
امره مرة للخوري فأجابه انه عليه ان
يعتصم بالصبر وان حالتهم احسن من حالة
كثيرين غيرهم اذ ان اخته خياطة ...
ولكن حتى متى يصبر ؟ لقد مضى عامان
من عمره صرفها وهو حائر قلق البال ،
يرى نفسه شاباً قوياً ذا صحة وعقل وهمة
للعمل ، ولا يقدر ان يعمل شيئاً ومحكوم
عليه ان يعيش بالقلة والعوز .
فما العمل اذاً ، ان رأسه يكاد ان
ينفجر ! وها هو يفكر بثريا ، هي من اجمل
فتيات الحي وطلابها كثيرون .. وتصور
نفسه يطلبها وهو في هذه الحالة من الفقر
فكاد يضحك بصوت عال ساخراً من
نفسه وتمزق قلبه لوعة وحزناً .
عندئذ عادت الى ذهنه فكرة كانت
تضايقه منذ ايام عديدة وهو دائماً يرفضها
ويبعدها عنه ، لكنها ترجع بالاحاح :
هناك ، ليس بعيداً عن بيتهم يسكن
التاجر سعيد الازرق الذي ربح
اموالاً طائلة في تجارة الاقمشة
ايام الحرب ، انه يخاطر كل ليلة
على الميسر بالوف الليرات ، وهو لا يزال
يقطن في بيته القديم لرخص ايجاره وهذا
البيت طابق اسفل محاط بحديقة صغيرة
يصونها حائط واطي ، لذا سرقته سهلة ،
انها ممكنة دون ان يقبض على السارق ..
وماذا يهم سعيد الازرق اذا فقد بضع
مئات من الليرات من جيبه ؟ ويذكر
سليم ما كان يسمعه عن حوادث سرقات :
فبواسطة عصا وفي رأسها مسمار يسحبون
الثوب من النافذة ويأخذون ما فيه
من مال .
امامه على السطيحة هناك عصا وفيها
مسمار لتشد حبل الغسيل . عندئذ فتحت
امه باب السطيحة :
- قوم لتتعشى .
العشاء مؤلف من صحن بطاطا مسلوقة
وبيضة واحدة . لن يسأل سليم امه لماذا
كل طعامهم مسلوق لانه يعرف ان
ان الزيت والسمنة نفذا منذ اكثر من
شهر والسمان لا يعطي شيئاً بالدين .
والبطاطا ارخص شيء في السوق فهم

٤٥
