هذا السائق الذي يرى في الزمور لعبة اميركية جميلة ، فلا ينفك يداعبها ويعبث بها ، وهو ينطلق بسرعة عبر شوارع المدينة ، ويعتقد انه قام بواجبه نحو المشاة وبقية العربات ... ناسياً او متناسياً كم عصباً من اعصاب الناس دهس في الطريق ، وكم اذناً من آذانهم حطم ، وكم مضجعا في الليل اقض وارق ...
هذه الخادم التي تنفض السجاد في الصباح الباكر ، بينما لا تزال المدينة هاجعة ، فتقذف قنابلها تمزق السكون السائد وتذعر الجيران ... او التي ترمي كناسة البيت من فوق الشرفة على الشارع ومن في الشارع ، ثم تتبع ذلك بماء الشطف ، وهي تحسب انها قامت بواجبها في تنظيف البيت الذي ترتزق منه .
هذا الجار الذي يطلق لجهاز الراديو العنان في النهار او الليل ، وربما ليل نهار يرسل على جيرانه على الموجات الثلاث امواج الاقلاق والازعاج ، ويفرض عليهم ان يسمعوا من الموسيقى ما لا يحبون ، ومن الاخبار والاحاديث ما لا يطيقون ، وهو يظهر انه حر في بيته وفي جهازه ، ليس لأحد ان يحتج ويتذمر ...
هذا الفتى الذي لا يجب ان يقف في الصف امام شباك التذاكر ، بل يقتحم الشباك من الجانب الآخر معتقداً انه لم يفعل اكثر من خطوة جريئة استحق عليها توفير الانتظار ... او الذي يرفع صوته في السينما معلقاً على الفيلم او متحدثاً الى رفيق ، ومتفوهاً احياناً بما يخدش اسماع الفتيات العذارى والنساء المحصنات ...
هذا الرجل الذي يدحرج الشتائم وبذيء الكلام وسط الشارع او في حافلة الترام ، لا يبالي من يصيب بشظايا سبابه ورشاش بذاءته ما دام يروح عن نفسه وينفس عن روحه ...
هذا المار او صاحب الدكان الذي يلقي بالاوساخ على قارعة الطريق ، وهو يغتبط انه وفر على نفسه وضعها في علبة خاصة او الوصول الى سلة الفضلات ...
هذا الرجل الذي يحلو له ان يخالف القانون ، قانون السير او قانون التجارة او قانون الجزاء ، بنجوته من رجال القانون ، واذا ما باغتوه وكان ذا مركز عال او مقطوراً بعجلة مركز عال ، لم يتورع عن امتهانهم وتحقيرهم وتهديدهم بالعقاب لانهم تجاسروا عليه باسم القانون .
كل هؤلاء وامثالهم ، تعودنا ان نسميهم انانيين ، لا يهتمون الا بانفسهم وارضاء لنزواتهم غير آبهين للاخرين ، ولا مراعين لشعورهم . والواقع ان هؤلاء اقصر الناس نظراً في انانيتهم ، واكثرهم عقوقاً بانفسهم .
نعم ، فكما ان في السياسة قصر نظر ، وفي الاقتصاد ، وفي تقدير كثير من الامور ، كذلك في الانانية - اجل حتى في الانانية - قصر نظر فالمفهوم بالانانية حب النفس وايثارها من غير مبالاة في الآخرين ، لكن شريطة ان يؤدي ذلك الى راحة النفس حقاً ، والى تمتع الاناني بامتيازات وحسنات مضمونة وليس يخطر لنا في بال ان ندافع عن الانانية ونروج لها ونعلم الناس اصولها .. وهي ليست في حاجة الى ذلك ، لانها من الغرائز التي لا قبل لأحد بدفعها . لكن الانانية مثل غيرها من الغرائز خاضعة للتطور والرقي بفعل الصقل والتهذيب . ومن شأن المجتمع - اي حياة الانسان بين الناس - ان يغير