الجار ، واعتبار ملك الجماعة كالسكون والشارع وسائر الامكنة العامة ، بمثابة ملك فردي خاص . فاذا عكر احدهم صفو السكون في الليل كان كمن يعكر صفوه هو . ومن القى اوساخاً في الشارع كان كمن يلقي اوساخاً في بيته ، ومن دمر زهرة او شجرة او مقعداً في حديقة عامة كان كمن يدمر ملكاً عزيزاً عليه بيده .
نحن نقول : ماذا يحدث لو قطفت انا زهرة من الف زهرة ، او خالفت قانون السير في احد المنعطفات المقفرة ، او القيت بعلبة السكاير الفارغة على الرصيف او نفضت سجادتي من فوق الشرفة ؟ اما هم فيقولون : ماذا يصيب الحديقة لو خطر لكل مواطن ان يقطف زهرة ، ما دمت انا لا امتاز بشيء عليه ، وماذا يحدث في المنعطف المقفر لو خطر لكل سائق آت من صوب ان يخالف السير ، وما عسى ان يحل بالرصيف اذا القى كل مار علبته الفارغة ، واي غبار يملأ الشارع واي ضجيج يملأ الفضاء ، لو شاء كل من في الحي ان ينفضوا سجادهم من فوق الشرفات ؟
وتكون العاقبة اسوأ واوخم اذا حدث اي تهاون في القانون المكتوب . فالتهاون الواحد يجر التهاون الثاني فالثالث ... وهكذا دواليك حتى يصبح القانون وكأنه لم يكن . ولعل ايراد مثل سقراط هنا ذو فائدة بليغة . فقد اعطى اروع امثولة في التاريخ على احترام القانون ، يوم رفض ان يخرجه تلاميذه من السجن وينقذوه من عقوبة الاعدام قائلاً لهم وهو الذي قضى العمر في الدعوة الى احترام القانون مهما يكن جائراً : لنفرض ان الدولة والقوانين جاءت وظهرت لي وانا احاول الهرب وسألتني . اخبرنا يا سقراط ماذا تصنع ؟ ماذا تبغي بمحاولتك الهرب غير تهديمنا نحن القوانين وتهديم المدينة بأسرها بقدر ما تستطيع ؟
الا تعتقد ان دولة يمكن ان تبقى اذا كانت قوانينها غير مرعية واستخف بها المواطنون ؟
قد يكون من الحق ان نطالب كل مواطن بان يكون سقرطاً . لكن ليس الشطط في شيء ان يستقر في ذهن كل مواطن بان القانون المكتوب او المتعارف انما هو خدمته وخدمة اهله وذويه .
مررت بروما صيف ١٩٥٠ ، فلم اسمع زموراً واحداً يرتفع من الوف السيارات التي تجتاز في العاصمة الايطالية على الرغم في ان بعض الظروف تقضي
بالتزوير . وسألت رفيقي المستوطن روما . افتكون العقوبة شديدة والغرامة مرتفعة على من يزمر ؟ فأجابني : لا لكن الناس هنا يحترمون القانون ويكفي مجرد صدور القانون لان يتقيد به الجميع .
ومررت بباريس ربيع ١٩٥١ وعرفت ان الزمور ليس ممنوعاً في العاصمة الفرنسية لكنني قلما سمعت زموراً ، واذا سمعته فنقرة ضعيفة عند الضرورة القصوى
الصحيح ان الناس في روما وباريس يحبون انفسهم .
محمد النقاش
الى جدّي
يا جدي العزيز !
اذكر ، فيما اذكر جيداً ، جلستي القلقة على حافة سريرك ، ويدك المرجحة تداعب خصلات شعري المبعثرة على جبيني ... وعيناك الكيفتان تحاولان بجهد ، رؤية ما لا يرى ...
وتبقى كلماتك لي آنذاك من اعز ذكريات قلبي : — « هل نحن وحدنا ؟ .. سأفضي إليك بشيء ، فاحفظي يا صغيرتي هذا الشيء حتى تكبري ، احفظيه جيداً ... احذري الرجال - جميع الرجال - ولا تأتيني واحداً منهم » .
لم ترف عيناي مرة واحدة ، فكأنهما سُمّرتا إلى وجهك المتجمد الحبيب . انصت بكل جوارحي ، مجتهدة ان افهم وصيتك بكل ما في سني السبع من فهم ... وحفظتها جيداً كما طلبت ، غير ان معناها البعيد أغلق علي وبقي مبهما غامضاً ...
وتوالت سنوات وسنوات ، شبتت معها على الطوق واصبح لاتصالاتي بالناس معنى جديد ... ورويداً رويداً بدأ مغزى وصيتك ينجلي لي ويتسلل الى فهم الصبية اليافعة فيَّ ... فبنيت خط دفاع منيع بيني وبين الجنس الآخر الذي اوصيت بعدم اثنائه ، ومضى شعور التحفظ والحذر معي - جنباً الى جنب - طوال مرحلة صباي ، ولا ازال يا جدي حتى يومي هذا ، كلما خفق قلبي لقلب ، او شعت في عيني عينان ، خيل الي ان هاتفاً يهمس وصيتك في اذني ، فأرتد ... وامتنع !
والآن ، عندما ارمق ماضي القريب ، واقدر مدى الحرمان الذي عانيته ، أحس بشموخ وكبرياء ، وبانتصار على التجربة . يقولون انها « الفضيلة » اما انا فاعرف عن يقين ان مصدر هذا الانتصار هو انت ... هو وصيتك الثمينة يا جدي ، التي ما تزال راسخة في قلبي .. رسوخ قلبي ، وسأنقلها يوماً الى صغيرتي ... اسطورة رائعة !
- افروديت -