في غمرة السكون المنساب من زجرة الضوضاء الخانقة علا صوت ناي ساحر فأنصت له الكون واستمعت اليه الليلة السجواء .
ودلف القمر نحو الشاطيء ليحدث الامواج حديثاً ، وانسل من الافق نجم ، ثم تبعه آخر ...
وتفتحت براعم الازاهر الهاجعة كأنما قد لامستها قطرات الندى عند السحر .
لقد كان صوت الناي عميقاً بحيث لمس كل شيء . ولقد كان عذباً رقيقاً ، في عذوبته قوة ، وفي رقته نشاط ، ولقد كان مرتعشاً متوثباً فيه معان شتى من معاني الحياة ومن معان اخر .
ولم يك ثمّت ما يضرب في ذلك الظلام - والهزيع الثاني قد طوى مرحلته - الا شبح ، هائل ، اجوف ، لم تعرف هيأته جيداً أهي اقرب الى الانسان منها الى الحيوان ام الى هيكل لم يرَ بعد ... ام انها تلك جميعاً .
وكان يدلج على غير هدى ، واذا بصوته يدوي مرتعشاً بهذه الكلمات .
من هو هذا الذي يثير في الجو صدى هذا النغم الاحمق الناي؟ ولما لم يجبه الناي الا بالنغمات العذبة المغناج استشاط غضباً وصرخ .
الا فلتعلم ايها الوقح ان الليلة ليلة استجمام لي ، واني ارسم فيها خططي وادير فيها شؤوني واهيء ما للغد للغد ، وما لبعده لبعده ، وان من يعكر صفاء تفكيري فموتاً اذيقه في القريب .
وواصل الناي غناءه بنبراته الحلوة مجيباً : الا تتكرم اولاً ايها الشبح بالتعريف عن شخصيتك ثم مُر بعد ذلك من تشاء بما تشاء ؟
فسأله الشبح : يا للعجب أو لم تعرفني بعد ؟؟ قال الناي : لا !
وسمعت قهقهة قاصفة ، ملأت الفضاء فارتعد لها الكون واستيقظت العوالم مذعورة . وصاح مطلقها :
انني يا هذا ابن العصور القديمة ، خلقت بعد الانسان الاول بقليل وظللت اتمشى مع بنيه جيلاً فجيلاً حتى ادركت هذا العصر الذي احمي ايامه بالعلعلة والدمدمة .
فقال الناي : أو أنت الرعد ؟
قال الشبح : كلا فما الرعد الا بعض ثرثرتي .
قال : أفأنت النار ؟
قال : ولا هذه فأن النار لتنبعث من قرارتي .
قال : اذن فأنت البركان ...
قال : لا لا ، ولا هذا ايضاً ، فالبراكين يبتعد الناس عنها فيأمنون حممها ، اما انا فأني اتبعهم اني ساروا وحيث حلوا ، فألقي الرعب والهلع في قلوبهم وما اسرع ما احصدهم حصداً واحو معالمهم كأن لم يكونوا لايام خلت ملء عين الحياة وقبلة انظار الامل .
قال الناي : يخيل اليّ ايها الشبح انك خيال عزرائيل جئت لتعكر صفاء هذه الليلة الحالمة . فسألتك بالرحمة ان تكف عن الترويع وان تترك العالم مستكيناً الى الهدوء والدعة والسلام .
وقهقه الشبح مرة اخرى ثم هتف : يا للسخف ان عزرائيل وحاشية عزرائيل يأتمرون بأمري اني اشاء وساعة ادعوهم ، اني يا هذا قوة دونها القوى جميعاً .. اني ..
وقاطعه الناي : انك قوة دونها القوى جميعاً ؟! اوه ... لو ان في الفاظك نوعاً من انواع الرقة والمحبة ، لو ان في لهجتك معنى من معاني الرحمة ، او لو انك لم تكن متبجحاً الى حد الاغراق لكان اقرب الى المنطق ان اقول انك الاله :
واجابه الشبح وقد تهدج صوته حتى لم يكد يبين ، اني لا اعرف هذا الذي تسميه الهاً ...
قال الناي : أو انت الدهر ؟
قال : ولا هذا انا . فأنا اعمل والدهر يسطّر اعمالي بحروف تتوهج ...
وصمت الناي قليلاً ، ثم قال وقد تغيرت لهجته حتى اضحت خليطاً من الاستهزاء ، والاصرار ، والتؤدة وقد تواترت الكلمات في حنجرته المرنة تواتر الدموع في عيني ام ثكلى ..
اذن من انت ان لم تكن الانانية الحرقاء والقوة البغضاء والشبح الحديدي الذي خلق «أخيل» بطل الياذه هوميروس . والذي كوّن «يوليوس قيصر» وصنوه «الاسكندر» والذي جعل من «نابوليون» و «هتلر» وامثالهم من طغاة البشرية ابناء بررة يروّون انانيتك بدماء البشر ويشبعون نهمك باشلاء بني الانسانية ، وينزعون من صدورهم ، في سبيلك ، قلوبهم الحية ليسوا غير عابئين بالرحمة كأنما قد اخذتهم العزة العزة بما يفعلون ، أو كأنما قد غفوا بخمرة نصرتك ورقدوا على هدهدة اثرتك فما هم من الناس ولا هم من غير الناس .
قال الشبح ان هؤلاء الذين تنعتهم بأبنائي لعلى حق في ثورتهم وفي اندفاعهم والا لما اطلق عليهم البشر انفسهم اسماء

