يتخلل مراحلها زجرة الوحوش المفترسة ، ولا يعمي فضاءها صدى زئيرها المخيف . لان ابنائي يتعهدونها ابداً بالحفظ والري والمحبة والوفاء ..
قال الشبح : ومن هم ابناؤك هؤلاء ؟
قال : ان ابنائي هم الضحكة الفاتنة على فم الدهر والدمعة النبيلة في عينيه الرحيمتين وهم قليلون ، ولكنهم يتحركون ابداً لان في قرارة قلوبهم جذوة لا تخمد ولهيباً يتطاير شرره حتى يطهر ما يكتنفه وما لا يكتنفه ..
أسمعت بـ ويلز ؟ أوعيت خبر محمد عبده ؟ أحملت اليك احاديث تولستوي ؟ اوصلت اليك كتابات اناتول فرانس ؟ اسمعت باسم الجاحظ ؟ اعرفت اوسكار وبلد وفيكتور هيغو ؟ وطه حسين ؟ وجبران ؟ واندره جيد ؟ اترامت اليك قصص ديستويفسكي ؟ أأنعشتك نفحات ( مي ) الانسانية ، وسواهم وسواهم ؟؟ ان هؤلاء بعض ابنائي وان كثيراً غيرهم لينهلون ابداً من روائي ، ويؤمنون ان يكون على يدي الخير العميم والدواء الناجع والسلم الدائم لهذه الحياة .
قال الشبح : وعند ذاك تكون قواك قد ابطلت قواي ؟
قال الناي : وكأن نغماته الحلوة كانت ابتساماً مشرقاً ، انك ياسيدي تتكلم ابداً بلغة ( القوة ) فهلا اخمدت من صوتك قليلاً ، وجلست هنا على هذه العسايج الندية وتسمعت الى الحاني كيف ترق وتصفو حتى تغدو فناً راقصاً يتهدهد الكون تحت غمرته وتتمايل الحياة هازجة على نواقيعه ، ويشرف الدهر بما طوى بين جنبيه على سر جلاله وخلود جماله ...
ثم تسمعت اليها كيف تسرع وتعلو حتى تغدو اثيراً سحرياً يرف على القلوب البائسة ويكفكف الدموع المنسكبة ويمر بالعيش السادر فاذا به مخضوضر الجنبات مشعشع الافاق تلوح فيه بوارق
هي الامل البهي والخيال الندي والسعادة بقطبها الحلي ، واذا ...
وقاطعه الشبح وكأنما قد افاق من نوم عميق على حين غرة :
ايها الناي العجيب المليء باسرار الحنان والسلام ، اقسم لك انه لو لم يكن ثمة شيطان مريد تفلّ قواه الحديدية قواي انا .. لغدوت اسيراً لك مستوحياً الجمال من الحانك قاضياً بقية عمري تحت غمرة هذه الطمأنينة بما فيها من عذوبة ودعه حتى يرين الموت على ناظري ... ولكنه هو . اجل ... هو ... هو ...
واجاب الناي : بل انما طبيعة الانسان الاول هي التي تتكلم بشفتيك ، بل هي وحشيته الكامنة فيه ، وحشيته
التي لم تهذبها القرون الطوال ، والتي قد لا تقوى على تهذيبها ، مثلها ، مدى الحياة ، هي التي تدفع بشيطانك هذا الى اغوائك ، او الى اغرائك في اتباع ما ليس لك من اتباعه بد .
ولكن الشبح لم يجب ، فلقد كان يمشي ذليلاً وقد خبات اجفانه الغلاظ ... دمعه .
وعلى دغدغة نسيم السحر كانت تتناوح الحان الناي الحنون وكأن في نبراتها املاً ..
وعندما غرّد اول بلبل تغريدة الفجر الضحيان ، كان كل شيء في الكون يتهامس عما دار بين الحرب والادب ، وعمن ستكون له الغلبة ، وعمن يكون كفاحه اطول ...

