كنت في السابعة فقط استمعت الى احدى اسطوانات كاروزو سبعاً وعشرين مرة على التوالي » . ولكن ماريو اهتم بالبيانو في طفولته اكثر من الغناء . ولم يكتشف ان قدرة صوته ممكنة من غناء نوتة اعلى مما غناه كاروزو نفسه الا في سن التاسعة عشرة .
وبدأ يمرن صوته . ولكن ماريو الشاب لم يكن سوى طالب جميل كسول . وبعد ثمانية عشر شهراً وقف جده ضارباً رجله في الارض وهو يصيح « المزاح في وقته ، ولكن لقد آن الاوان لهذا الشاب ان يجد لنفسه عملاً » قال هذا في صوت لا يسمح بالجدال .
وعمل كحمال في شاحنة جده ، ومرة في بدء اعماله حمل بيانو الى اكاديمية الموسيقى في فلدلفيا وهو يغني ، كما هي عادته في الغناء فرحاً في الحياة .. وسمعه مدير الفرقة الموسيقية كوسوفنزكي فأعجب به . واخذه معه الى تلال بوكشاير في الولايات المتحدة الشرقية ، حيث يقود مهرجاناً موسيقياً شهيراً في كل عام ، ليس له من مثيل سوى مهرجان جلايدنبورن البريطاني . وكان هذا في سنة ١٩٤٢ ، حين سمى نفسه ماريو لانزا لاول مرة ، وكان هذا الاسم جديداً على الجمع الغفير الناقد المحب للموسيقى ، الذي يهرع لسماع كوسوفنزكي .
ومع ان اسم لانزا طبع مع كثير من غيره من المغنين على برنامج الحفلة ، فقد بدا ذلك عظيماً بالنسبة للفتى الذي كان يشارك كاروزو في غنائه في الاسطوانات وعلى كل حال ، كانت هذه اولى تجارب ماريو في الغناء على المسرح .
ويمكنكم ان تتصوروا مبلغ حماسه وهو يقرأ في الجرائد ما دون عنه النقاد الموسيقيون : « تنقص هذا المغني الشاب
الرصانة ، وبعوزه التمرين والتثقيف الصوتي لحنجرته » . ولكن النقاد جميعاً باركوا صوته ورشحوه ليكون اعظم صوت جديد في هذا القرن . وهكذا تمت اولى تجارب فردي الغنائية ، وهكذا بدأت شهرته العالمية .
بعد ذلك شرع في الدرس الطويل ولم يقطع عليه حبل درسه سوى مهمته في الجيش حيث عمل ماريو اولاً كجندي بوليس ، ولكنه يقول معترفاً « لم اكن بالبوليس الجيد » وعندما انتهت الحرب عاد لانزا ليكوّن شخصيته الموسيقية من جديد ، فراح يتمرن الى ان التقى صدفة بسام ويلر ، رجل الاعمال الذي رأى فيه فناً رفيعاً فأغدق عليه المال لانعاش روحه الفنية وتغذيتها . فأقام له الحفلات الغنائية والبرامج الاذاعية . ثم جاء وقت ظهوره على مسرح هوليوود الشهير في الهواء الطلق ، ذلك المسرح الضخم الذي يشعر فيه المرء بالرهبة اذا ما كان وحيداً لكن لانزا لم يكن وحيداً ذلك المساء ، وإن شعر بذلك مرات عدة . ولكنه غنى ببراعة ، ومعنى ذلك في هوليوود ان وراء الباب عقداً ذهبياً . وبالفعل تقدم منه ليو وليون ، وجعله ذا تأثير عظيم على الملايين من فتيات اميركا ، عندما شرع يعمل لشركة مترو جولدوين ماير .
ولم ينج من العراقيل والصعوبات ، ولكن بعد ان اشترك في افلام عديدة ، اظهر نتيجة ممتازة ، وفي هوليوود يحكم الممثل بنتيجة عمله . كان فيلماه الاولان « قبلة في منتصف الليل » و « نخب نيو اورليانز » قد صوبا اليه الانظار . ولكن فيلمه الثالث « كاروزو العظيم » اثر في الجمهور اكثر . ويقول ماريو بتواضع « هناك من يعتقد اني اغني افضل من كاروزو ، ولكنني لا اصدقهم ، مع انني اعتقد ان انساناً لن يقدر ان يقلده
احسن مما فعلت » .
وقد يسمي الناس هذا التعبير زهواً لانه صادر عن لانزا نفسه ، ولكنني لا اعتقد بذلك ، فهو عالم بإمكانياته في الغناء وقد جاء بالبرهان الكافي عن قدرته العظيمة التي درت بالربح الكثير على مكاتب البريد في أنحاء العالم خاصة عندما ظهر ككاروزو .
وبعد فلم « كاروزو العظيم » عاد لانزا يلاقي الصعوبات . فقد تأجل العمل في فيلمه الاخير « انت لي » لأن ماريو ازداد وزناً ، اذ انه من محبي الاكل . وهو بالفعل يأسف لان الناس ينظرون اليه بدل الاستماع الى صوته ، وكيف لا يأكل من السباجاتي الذي تطهيه امه وزوجته بكل تلك المهارة ؟
ويشعر ماريو بان العالم قد انقلب ضده عندما يعمل مديرو الاستديو على تحطيم كبريائه . وهنا يتجه نحو زوجته الاميركية الايرلندية ، بتي السمراء . فقد تزوجا في نيسان سنة ١٩٤٥ ، وانجبا طفلتين كولين في السنة الثالثة ، واليسا في الشهر الخامس عشر . وبتي من القلائل الذين يفهمون ذلك الشاب اليافع العاطفي فباستطاعتها ان تقوده بكل نجاح بينما يفشل غيرها ، وذلك لانها تفهم عقليته وطباعه . وهي تعلم ان زوجها القوي الجسم يعني ما يقوله مشيراً الى قلبه « انني اغني من هنا ... اغني لاني سعيد واريد ان اسعد غيري ... لان اسعادهم يزيدني بهجة » . وهو دائم السرور ولا يطيق الوجوه الكئيبة حوله . « لقد احببت اللهو طيلة حياتي » يقول معترفاً وتوافق زوجته على قوله هذا . وبالفعل تجد حياتهما في بيتهما الجميل على تلال بفرلي مؤسسة على السعادة والمرح الذي يجدانه بين بقية اصحابها الايطاليين . ولم يجرفهما تيار اللهو في هوليوود .
