طال ليلها فلم تنم ، وقد ألم بها ما يلم بالغارقة في حلم ، فان هي اغمضت جفونها لحظة لاح لها طيف ثائر تتبعه اطياف ، وان هي غطت اذنيها هنيهة بدا لها صدى هائج تتلوه اصداء ، وان هي طوت هذه الاصداء في احشائها حيناً وتلك الاطياف ، احست كأنما وجه واحد يتململ حولها في ثورة ، وكأنما صوت واحد يوشوش حولها في هياج ، حتى لكأنها لا ترى غير وجه فواز يرنو اليها ، ولا تسمع غير صوت فواز يهتف بها ، وهي قابعة عند الكوخ ، او ذاهبة في الطريق ، او واقفة على التل :
— نهلة !... علام لا احيا معك ، يا نهلة ، وعلام لا تحيين معي ؟!... ولولاك !... لا تجزعي !... ولا يرهبك هؤلاء الصعاليك !... فقريباً واعود !... والصبح ، يا نهلة ، غير بعيد !!!...
* *
وتلمست نهلة بيدها ذلك الوجه ،
فاتحة فاها لتجيب ذلك الصوت ، ولكنها ألقت نفسها تطل من كوة الكوخ ، وقد ولى الظلام ، واخذ الصبح يفيض في مدى الافق المترامي البعيد !...
ولم تشعر الا وهي ترمي عنها الغطاء الرقيق ، ثم تنتعل خفيها الباليين ، وتلتف بشالها الممزق العتيق ، وتنطلق مسرعة من الباب المشقوق ، تاركة امها تتقلب على الحصير ، واباها يغط في نومه بعض الغطيط !...
ولم يكن تقلب امها ، وغطيط ابيها ، وكل ما في الكوخ ... لم يكن شيء من هذا ليغرب عن بالها ، وهي تنظر الى البلدة الراقدة على شاطىء الخليج ، او الى هذه البساتين المنبسطة في السهل ، او الى تلك الهضاب النيرة ، حيث تنتصب بعض الاشجار على منحنياتها وتميل ، وتتكىء بعض الصخور على قممها وتنام ، ولكنها احست كأنما شيء من هذه الريح التي تهب في وجهها ، وهذا الضباب الذي يغمرها حيناً ثم يغيب ، وتلك الغيوم التي تتراكض هنا ثم تتلبد هناك ... كأنما شيء من هذه جميعاً قد لامس عينيها في رفق ، وداعب اذنيها في لين ، ثم حملها على اكف ناعمة ، وحطها في الكوخ ، حيث كانت قد قضت اهنأ ايام عمرها واشقاها !...
وكما يمر الومض في رحاب الفضاء ، مرت تلك الايام في بالها دفعة واحدة ، ثم اخذت تعود مبطئة حيناً معنّفة في الابطاء ، مسرعة حيناً معنّفة في الاسراع ، حتى اذا راحت تمل بعض التمل ، ألقت نفسها ترجع الى ذلك المساء ، حين وصلت الى هذا المنحنى ، وهي تتقدم امها واباها العاجزين ، وقد حملوا جميعاً بقايا متاع ، وخلّفوا وراءهم ثلاثة شبان يروون بدمائهم المهدورة ثرى قريتهم السليب ... فاذا بلغوا بضع شجرات زيتون منفردة على المنحنى الذي تسيجه
الصخور ، ألقت امها الحمل عن ظهرها ، وانهدت الى الارض تلهث منهوكة :
— الى هنا اعانني الرب !...
واردف ابوها ، وهو يتنهد ويرمي على حمله :
— والى هنا اعانتني قدماي !...
واما هي ، فقالت ، وهي تضع ما كان على ظهرها وتحت إبطها ، ثم ترد شعرها المتهدل على وجهها ، وتمسح بطرف كمها العرق المتصبب على جبينها :
— الى هنا ... الى هنا وكفى ... وغداً نقرر مصيرنا !...
ولما كان الغد ، افاقت على هشهشة بالقرب منها ، فالتفتت فاذا ابوها قد جمع بعض الحجارة ، وراح يصفها عند صخرة قائمة بين جذعي زيتون ... بينا كانت امها تطل من خلف الشجر ، حاملة بعض الاعواد والاغصان اليابسة ، فلم يكن منها الا ان قامت هاتفة بها :
— الصبح لك يا الله !... ماذا تفعلان ؟!...
فرد الاب قائلاً :
— هنا بتنا ليلتنا ... وهنا سنبيت ليالينا !...
ثم اردفت الام :
— سنبني لنا كوخاً ، الا ترين ؟!... هلمي ساعدينا !...
وما ان لفظت امها آخر كلمة ، حتى شمّرت عن ساعديها ، وشرعت تعمل فيما هما يعملان ، فاذا حجر يلتصق بحجر ، واذا مدماك يرتفع فوق مدماك ، واذا الحجارة والمداميك تصل الصخرة القائمة بجذع الزيتونة هذه وجذع الزيتونة تلك ، حتى اذا فرغوا من هذين الحائطين بعد ساعات ، شرعوا يسقفون بما جمعوه من اعواد واغصان ، فيربطون هذه بالفروع اللفيفة الوارفة ، ويشبكون تلك في طول وفي عرض ، ثم ينحدرون الى ما بين
