الجذعين الضخمين المتقاربين ، فيتركون باباً محدوداً بينهما ، جاعلين كوة عن يمين وكوة عن شمال !...
ورأت أبويها يتأملان هذا الشكل القائم القاعد من صخر وحجر وأغصان وأعواد وشجر ، وطاب لها أن تدخل هذا الملجأ ، فتتمدد على أرضه ، وتنظر إلى حناياه وسقفه ، وتسرح طرفها في الأفق المطل من كوته ، ولكنها لم تكد تفعل ذلك حتى لاح لها شاب غض الإهاب يصعد المنحنى ويتجه نحوهم ، فإذا صار على بعد خطوات ، قال ، وهو يحييهم بيده التي يحمل بها قربة ماء فارغة :
- السلام عليكم ...
فأجاب أبواها :
- وعليك السلام ...
- هل لك ، يا عم ، أن تدلني إلى النبع ؟...
- نبع ؟!... وأي نبع يا بني ؟!...
- لقد رأيت ساقية صافية تنحدر من الجانب الآخر من هذه التلة ... فحسبتها آتية من نبع قريب ...
- ربما !... ولكني ، الحق أقول لك ، لا أعرف ... فهذا أول نهار لنا في هذه الناحية !...
وهتفت أمها :
- هلم نبحث عن الماء ، إذن ... لقد نسينا الشرب !!...
أما هي فقالت ، وهي تخرج من ملجأها وتنفض ما علق بشعرها وثوبها من قشاش :
- ونسينا الأكل !!!...
فأجاب الشاب ، وهو ينظر إليها ، وعلى شفتيه ابتسامة دهش وسخرية وألم :
- وأي شيء لم ننسه في هذه الأيام ؟!... قولوا ... هل أنتم لاجئون ؟!...
فأجاب أبوها :
- أي بني !... نحن لاجئون !...
وأنت ؟!...
- مثلكم ... لاجيء !...
- ما افترقنا حتى اتفقنا ... هلم نبحث عن نبعك يا بني !...
قال أبوها هذا ، ثم دفع ذلك الغريب أمامه ، ومضيا إلى الجانب الآخر من المنحنى ، أما هي الأخرى ، فراحت تبحث عما تبقى لديهم من زاد ، وقد
شعرت بجوع وعطش لا عهد لها بها من قبل ، حتى إذا مضى بعض الوقت سمعت أمها تصيح بها من فرح :
- انظري !... لقد عادا !... لقد عادا وملء القربة ماء !...
ونهضت إليهم تحمل جراباً فيه بعض فتات الخبز وكتل الجبنة ورؤوس البصل ، ثم دفعته إلى يد الشاب الواقف أمامها ، واختطفت من يده الأخرى قربة الماء ، وشرعت تفرغها في جوفها ، فإذا ارتوت منها قالت ، وهي تناولها أمها :

