- أبداً ما شعرت بلذة الماء كما أشعر الآن !...فقال الشاب ، وهو ينقل نظره من الجراب إلى محياها :- وأبداً ما شعرت بشهوتي للخبز كما أشعر الآن !...حقاً ، إن الإنسان لا يشتهي شيئاً ، ولا يلتذ بشيء ، إلاإذا عزّ عليه هذا الشيء !...وتطلعت إليه ، فأحست كأنما شيء في لمحة عينيه ونبرةشفتيه وهيبة محياه يخترق عينيها وشفتيها ومحياها ، ثم يتغلغلفي أعماقها من حيث لا تدري ولا تريد ، ولكنها حولتبصرها عنه إذ بلغها صوت أبيها يقول :- اجلس يا رجل !... ما بالك كالغريب ؟!...- شكراً يا عم !... فمنذ أمد لم أشعر بأنني في بيت ...وبين أهل !...قال هذا ، ثم جالسهم وجالسوه ، فاستساهم واستسموه ،وحادثهم وحادثوه ، فإذا هو مثلهم قد فقد من أهله من فقد ،وأضحى وحيداً في غربته ، لا يعرف أحداً ولا يعرفه أحد ؛فإذا طالت مجالسته هذه ، وطالت محادثته تلك ، قال ،والشمس تلمّ أضواءها عن شجر الزيتون :- ماذا لو ألقيت عصا ترحالي ... وضربت ، ههنا ،خيمة لي ؟!...فهتفت أمها :- يا مرحباً !... بيتنا بيتك !... وحريتنا حريتك !...وأردف أبوها :- علينا بها الساعة !... قم ...وقام لساعته ، في ذلك المساء ، وقاموا ، فكانت خيمةصغيرة بالقرب من الكوخ ظللته حتى الصباح ... ثم كانتمساءات وكانت صباحات ، فإذا خيم تنتثر على العدوة هذه ،وإذا أكواخ تتبعثر على العدوة تلك ، وإذا المنحنى يعجبالشيوخ والشيخات ، والفتيان والفتيات ، والأطفال الصغاروالأطفال الصغيرات ، وقد أشعلت نار هنا ، وأخمدت نارهناك ، وهبت الريح عابقة بالدخان ، موسوقة بالنداءوالدعاء والبكاء ، حتى لكأن شبه حياة يهب على موت جاثمفي المنحنى ، حيث الجوع والعري والحفا والمذلة والهوان ،لولا كيلة طحين وغرفة حليب وعلبة لحم وكمشة عدس أوما شاكل من حبوب ، كانوا يرقبونها في أول الشهر أو فيآخر الشهر ، حين يضربون في الشعاب ، ويبطون الدروبالملتوية بين البساتين ، ثم ينسابون إلى تلك المحلة التيتوزع منها هذه الأشياء في زحمة من شتم وضرب