العناية —
وقد لاحظت ان معظم المديرات والعمات والممرضات اللواتي يقمن بادارة البيت من المتخرجات في فروعهن وعدا ذلك فتقام لهن دورات يدرسن فيها فنون التربية والادارة والتهذيب نظرياً وعملياً وعلى اساس هذه الدراسة والتحصيل ينلن الترقيات والعلاوات... لذلك جاءت عنايتهن بالمشردين تفوق حد الوصف ويمكن لاي كان ان يلمسها في الحال...
ولما سألت العمات فيما اذا كن لا يخشين فساد الاولاد اذا بالغن في راحتهم اجبني:
— قد تكونين محقة فيما بدا لك ولكن الدكتور بارناردو يريد ذلك.
ولهذا الجواب او هذه العبارة صدى يرن في جميع جوانب البيت لانك كلما سألت احدى المشرفات او الممرضات عن سبب من الاسباب يجبنك في الحال وببراءة تامة بنفس الجواب وهو (لان الدكتور بارناردو يريد ذلك).
ومن وصايا الدكتور الاخرى والمهمة تشديده بعدم تسمية مشروعه بمؤسسة او ما اشبه والاكتفاء بكلمة «بيت» فقط اذ لا يخفى ما للبيت Home من معنى سام في المجتمعات الراقية كما اوصى بان يدرب المشردين على تسمية المشرفات (بعمتي او خالتي) بدلاً من (امي) وذلك للتخلص من كافة الامومة وما تثيره هذه اللفظة من العواطف في نفوس من حرموا لذة الامومة الطبيعية.
ومن الامثلة الاخرى على عناية البيت بالمشردين عدم تقيده بنظام خاص للالبسة
بل جعلها مختلفة اللون والطراز لتكون مطابقة لحياة غيرهم من اولاد العائلات والبيوت الخصوصية. ومن الاشياء التي لاحظتها ايضاً جعل مغاسل الاطفال واطئة بحيث يتعودون على غسل ايديهم ووجوههم بانفسهم منذ عهد الطفولة.
المشردون ومستقبلهم —
ولم يكتف بارناردو بمجرد اعاشة المشردين واسكانهم بل وضع لهم نظاماً دقيقاً يتناول جميع نواحي حياتهم النفسية والتربوية والدينية كما يتناول مستقبلهم ايضاً... فأوجب تصنيفهم بحسب الميول وارسالهم الى المدارس المهنية والفنية ليتعلم الصبيان النجارة والنسيج والتجارة والتعدين وصنع الاحذية والرسم والبناء وتتعلم الصبايا التمريض والفنون المنزلية والعمل في المكتبات والمطابع وشؤون السكرتيرية والاختزال وما اشبه...
ولا تنتهي مهمة البيت عند هذا الحد او عند تخرج المشردين منه بل نراه يلاحق اولاده ويأخذ بيدهم في حياتهم العملية فيدخلهم في الوظائف والمصانع في الحال وبعد استقرارهم في العمل الجديد يضعهم تحت المراقبة مدة اخرى تصله خلالها التقارير اللازمة عن كل منهم وبهذه الطريقة يستطيع ان يبقى على اتصال دائم بتلاميذه من جهة ويتخذ من تلك التقارير اساساً لاصلاح الاخطاء ورفع المستوى من جهة اخرى.
وقد اهتم بارناردو اهتماماً خاصاً بتكوين شخصية المشرد وغرس المبادئ الوطنية والشريفة في نفسه ليصبح مواطناً نافعاً ذا قابلية لتحمل المسؤوليات في حياته العامة ومن اجل بلاده... وفي
الوقت نفسه لم ينس الناحية الروحية الحالية من التعصب لكل مذهب او طائفة فوضع لتلاميذه صلاة خاصة مقتبسة من مختلف المذاهب تجنباً للتزمت البغيض والجدل العقيم..
وعلى هذا الاساس فان كل ما تحتويه كنيسة البيت من اثاث قد طبع بطابع البساطة التامة وما فيها من لوحات وزجاج ملون فانه من صنع المشردين انفسهم... حتى اللوحة التي تخلد ذكرى الدكتور بارناردو فانها قد صنعت بايدي المشردات.
ومما يذكر ان هذه الكنيسة قد تبرعت بتشييدها سيدة مثرية لم تشأ ان يعلن اسمها بل اكتفت بوضع لوحة تذكارية كتبت عليها هذه العبارة (ان هذه الكنيسة تذكار من سيدة تبرعت بتشييدها).
المستشفى
وبما ان البيت لا يستقبل المصابين وذوي العاهات الدائمة فقد جهز مستشفاه بما يفيد الامراض الطارئة على انواعها...

