عرفناه مجاهداً جاب من الفيافي عدداً ، وتنقل في الامصار البعيدة تنقل الأطيار المعاندة ، يبغي هنا لبني أمته منفعة وفائدة ،
ويقوم هنالك على تمثيل نهضتها المنطلقة ويدافع عن حقوقها المتناثرة اليتيمة ... وأمته تائهة ، مفككة الأوصال ، مفصومة العرى ، تناضل حيناً ضد هذا ، وتقاوم حيناً طغيان ذاك
وعداوته ، وتستكين بين الفينة والفينة ، فما ان تعاودها الحمية وترجع اليها الغيرة وتواتيها الفرصة حتى تهب مناضلة من جديد ...
وهو هو ، في جهاده وترحاله ونضاله ، لا يني ولا يهدأ ولا يستكين .
★
ويعود الى بيته . والغريب ان يكون له بيت هادي، يعود اليه ! فأمته ، منذ يفاعته ، هي بيته ومرجعه ...
اقام من بيته نموذجاً للأمة العربية بأسرها ، فيه الحب الكريم وفيه الحرية الطليقة المتّزنة ، وفيه احـتـرام للمألوف من
الناس ولغير المألوف منهم ... كان الزعيم الأمثل لأمته وكان في الوقت عينه الاب الامثل لاهله وذويه . وكيف يصلح الزعيم ان لم يكن كذلك اباً صالحاً !؟ ... فالزعامة أبوّة ايضاً ...
★
علّم الناس معنى الجهاد وأعطاهم في ذلك دروساً واقعية ملموسة ، وهو الذي يلقي عليهم من بعد ، دروساً في الأبوة والتربية والحنان .
عرفناه سياسياً ، وجنينا ثمار جهاده ، ولكن القليل منا من اهتم له في أبوته وتنبه اليه في بيته . فالذي انقطع لبناء صرح
الامة الشامخ واستقلالها الطاهر ، لم يتوان عن بناء بيت عربي يحفزه على الجهاد والمثابرة ، ويكون فيه لابناء أمته قدوة
يقتادون بها ، ونموذج يسيرون على منواله ، ومثلاً يبنون على غراره ... بيت عربي الطابع عربي الروح ، عربي اللسان - وهذا قليل في بيوت « الزعماء » عندنا - عربي العرق والعادة ،
ليس فيه فرق بين صبي وصبية ، بل كلاهما صالح ليكون نموذجاً وطنياً مرموقاً ، ومثالاً انسانياً محموداً ...
★
أما ضرب لكم في ذلك مثلاً على قدرة الأب العربي على ان يغرس في نفس الابنة روح الوثوب . ويربي في ساعدها نشاط الجهاد ، ويبعث فيها قوة تدق بها ابواب النضال بلا وجل ، وترفع بها اعلام الحرية والانطلاق بلا تردد ، فيجعلها بذلك كله معواناً لأختها في مراكش تئن ، ومشيرة لأخ لها في تونس يتأهب !؟ ...
★
اما بيته !...
فبيت المجاهد المثابر ، والجريء المقدام ، بيت رجل يبني لغيره لا لنفسه ، فيه الاثرة ، وفيه الاخلاص والعقيدة ، وفيه الايمان البالغ بالعروبة وحرمتها ، والثقة بحقها وكرامتها ...
وبيت دعائمه قيّم كهذه بيت تستظله المروءة ، وتنمو فيه الكرامة . تموت فيه المادة وتنتعش فيه الروح وتترعرع ... فلا يكون فيه فارق بين فتاة وفتى ...
ومتى كان في الروح من ذكر وانثى !؟...


