... هنا في الجبل لا تزال تسيطر كثير من التقاليد التي نبذها البيروتيون او بعضهم. قاموس الالقاب لم ينقص منه حرف: سعادة البيك ومعالي الوزير وجناب الشيخ والافندي. الطرابيش والمسابح تملك سعيداً. لائحة السلامات والتقاريظ والادعية، وزخارف القول التي دعاها ولي الدين يكن بحق لائحة «الاكاذيب». المبالغة في الترحيب بالضيف والتذلل للغريب وكثرة الفضول وحب الاستطلاع... مظاهر الحياة الاجتماعية التقليدية المتفشية في اكثر اوساطنا.
ولكن في بيروت.. في بيروت نفسها.. حيث الشواطئ تعج بالمستحمين والمستحمات وقد تخلصوا من مظاهر الحياء الكاذب وحيث النوادي والمجتمعات تضج بمظاهر الحياة العصرية من موسيقى وسينما ورقص... في بيروت نفسها حركة بعث لآثار غير مرغوب فيها من مخلفات الماضي. لو أردتُ تعدادها لضاق بي المجال. ألا ترى شغف «الزلم» واصحابهم بالالقاب المبهرجة والخطب الرنانة. والاعياد الصاخبة بانواع المفرقعات وضروب الهياج. والمآتم التي اصبحت معارض للفخفخة والمجد الباطل، يستغل فيها الاحياء امواتهم. وبدلاً من ان يحفزهم الموت الى التأمل في زوال الدنيا واحتقار خيراتها، يتخذونه على العكس فرصة للتبجّح والظهور، وكأنهم يدعون الناس الى قياس عظمتهم بعدد الاكاليل والكهان وطول موكب المشيعين.
الموت عندنا من وسائل الدعاية وكذلك الحفلات الخطابية والحفلات السنوية في المدارس.
يأتي الصيف لاهباً مضنكاً والطلاب في غمرة الاستعداد للامتحان واسرة التعليم في اسوأ حالات التعب ووهن الاعصاب ومع هذا لا بدَّ من الاهتمام بالحفلة السنوية وعرض محصول السنة على الاهل والاصدقاء الذين يأتون افواجاً «للفرجة بلاش» او للاعتزاز بمآثر اولادهم. وماذا يرون؟ تمثيليات مهيأة بسرعة خالية من كل فن وذوق، أغاني سيئة الاداء، معارض اشغال مزدحمة بانواع الزخارف تكاد تنوء بها الجدران والطاولات. ويلقي الطلاب عليهم خطباً منقولة من بعض الكتب او يقف امامهم خطيب يرتجل العبارات التقليدية او يقرأ عليهم من ورقة يحملها بيده مقالة انيقة اللفظ مبتذلة المعنى. وما عساه يقول في موقف كهذا؟ حسْبُهُ أنه رضي بالسخرة وتبرّع بالكلام في
موقف لا يوحي اليه شيئاً.
تلك حُمَّى الدعاية. كل شيء يجب تسخيره لهذا الفن العجيب حتى فن الخطابة يجب بعثه من لحده واتخاذه وسيلة للدعاية.
وابن نحن من الخطابة في عصر طغى فيه ادب الصحافة والراديو والسينما وتعددت وسائل التعبير بين تصوير وموسيقى وتمثيل فليست كما في عصور الفطرة مقصورة على اللسان.
عندما وضع ارسطو كتابه المشهور في «الخطابة» كان هذا الفن قد بلغ اوجه عند اليونان، وظهر السوفسطائيون الذين كانوا يخلبون ألباب سامعيهم بفصاحة اللفظ واناقة التعبير وقوة الحجج. ولم يكن هذا الفن اقل شأناً عند العرب في عهود الفصاحة الفطرية التي امتاز بها خطباء الجاهلية وصدر الاسلام، من سحبان وائل الى الحجاج بن يوسف وزياد بن ابيه.
ولكن منذ انبلاج العصر العباسي واختلاط العرب بالاعاجم وابتعادهم عن موطن الفصحى، فقدوا فصاحة القول العربي الاصيل، واصبح خطباؤهم كخطباء العصر الحاضر، إما مرددين لعبارات تقليدية مدروسة غيباً او قارئين من ورقة يحملونها بأيديهم. وان ارتجلوا الكلام تعثروا وارتبكوا لان عبارتهم تتأرجح بين الفصحى والعامية وتشكو الضعف والركاكة فلا هي عبارة الحديث ولا عبارة الكتابة.
لقد مضى عهد الخطابة في عصرنا، وتحول الخطيب المصقع الذي يهز السامعين بوقفته ونظراته واشاراته وتعبير وجهه وتدفق ألفاظه، تحوّل الى قارئ مسكين يتلو الكلام على سامعيه، كاستاذ عصري يملي على طلابه محاضرة من دفتره فيصغون اليها بعقول شاردة او محرّكون اقلامهم ليكتبوا ما علق منها في اذهانهم.
ولو لم يكن في وجه هذا الفن من عقبات سوى الفنون الاخرى التي تزاحمه، لهان الامر. ولكن يكفيه عقبة كؤوداً هذا الطلاق بين الفصحى والعامية. لأن الخطابة فن شفوي، والبراعة فيه تُستمد من طول التمرّس في العبارة التي هي أداته. ولما كانت الخطابة العربية تعتمد على لغة مكتوبة غير محكية فمن الغريب المستبعد ان ينشأ عندنا خطباء ملهمون قادرون على ارتجال اللفظ، ناهيك بالمعنى.

