» مع ادبيات من اميركا « - هذا هو العنوان الذي تنشر تحته سلسلة مقالاتي . وزعماً بان الشعر ابرز مظاهر الادب وارفعها ، فقد كانت الادبيات اللاتي دارت وستدور حولهن الحلقات السابقة واللاحقة شاعرات . وليس من العسير كتابة عدد من المقالات عن شاعرات اميركيات ، لانهن اوفر مما قد نظن ونتاج بعضهن يصل الذروة .
غير اني سأنحرف في مقالي هذا عن الخطة التي رسمتها ، فأتحدث عن امرأتين تكتبان النثر ، وتنشران جلّ ما تكتبان في جريدة « كرستشن سينس مونيتور » التي تصدر في بوسطن وتعد في طليعة صحف البلاد . فهما اذاً تكتبان النثر الادبي - اذا قصرنا النثر الادبي على الكتابات الروائية والقصصية والمسرحية والنقدية . وهذا ما حمل احداهما السيدة كاترين رينولدز ( CATHERINE REYNOLDS ) على ابتداري بقولها :
- ولكني لست اديبة !
وما حمل الاخرى ، السيدة ليديا روبرتس ( LYDIA L. ROBERTS ) على ان تقول وعلى وجهها امارات اعتذار :
- اجل اكتب ، لكن عن مواضيع عادية صغيرة !
قلت لها : اني انما سأخصص لها هذا المقال لانهما ليستا اديبتين ولانهما لا تكتبان الا عن مواضيع عادية صغيرة !
*
كاترين رينولدز هي زوجة هوراس رينولدز المعلّق الادبي الذي تظهر مقالاته النقدية في جريدة « نيويورك تايمز » كل أحد . وهي سيدة وقورة ، تتحدث بتؤدة واتزان ويتسم حديثها بالعمق والشمول ، وتقيم مع زوجها في كامبريدج منذ اكثر من عشرين سنة حيث يقطنان دارة جميلة في احدى انحاء البلدة الهادئة ، وتعمل جزءاً من النهار في مكتب عميد كلية اللاهوت بهارفرد .
وحوالي عام ١٩٣٥ شرعت بكتابة مقالات قصيرة اخذت تنشرها من حين لحين في « المونيتور » وتوقعها بمجرد الحروف الاولى من اسمها . وتختلف هذه المقالات طولاً وقصراً ، وتنشر كما تيسر لا في ايام معينة من الاسبوع ، انما يوحد بينها جميعاً شخصية اسمها پرودنس تدور حولها المقالات ، المكتوبة بقالب قصصي طريف . اما المواضيع التي تعالجها هذه المقالات فبسيطة ، لا تعتمد في انتقائها على خيال جامح ولا على ثقافة واسعة ، انما تنتقيها من البيت والحياة اليومية وجوّ العائلة . فمادة كتاباتها هي اختباراتها
الشخصية كامرأة مهمتها الاولى العناية بافراد عائلتها وتدبير امور بيتها .
فالنقطة الرئيسية في هذا الباب من الادب انه منبثق عن صميم الحياة ، جامع بين المتعة والفائدة . فپرودنس لا تمثل فتاة واحدة . تنمو تدريجياً من الطفولة الى الصبا فالشباب وتعترضها مشاكل الحياة كما تعترضها مباهجها ، في البيت وبين رفيقاتها وفي المدرسة ومع معارفها من الجنس الآخر وفي الوظيفة وشتى مرافق العيش ، - اقول ان پرودنس لا تمثل فتاة واحدة يجري لها ما لا يجري لسواها ، بل هي في الواقع كل فتاة اميركية ، والى حد ما كل فتاة اطلاقاً . من اجل هذا كانت الامهات يقرأن مقالات كاترين رينولدز بشغف ويطلعن على الآراء الواعية والنصائح التي تعمر بها المقالات ضمناً لا صراحة ، ومن أجل هذا كانت تقرأها الفتيات بمتعة ويجدن فيها صوراً لانفسهن وللعثرات التي عليهن تجنبها والمسالك التي عليهن السير فيها .
من أجل هذا ، ايضاً ، لم يكن غريباً ان تصبح شخصية پرودنس من الشخصيات المعروفة المحببة الى قارئات الجريدة ، وان تحمل كاترين رينولدز على نشر المزيد من حلقاتها ، التي بالامكان قراءتها بتسلسل . وقد فهمت ان عدد الرسائل التي تفد على رئيس تحرير الجريدة من القارئات في مختلف انحاء اميركا ، بل ومن خارج البلاد حتى من استراليا ، تقريظاً لسلسلة پرودنس وتعليقاً عليها وحثاً على الزيادة منها ، يفوق كثيراً ما يفد عليه حول كتابات اي كاتب او معلق آخر في الجريدة التي يعد المساهمون في تحريرها والكتابة بها بالوفير من العشرات . وهذا الاقبال قائم ، على ما ارى ، على ما ذكرته من انتزاع السيدة رينولدز لمواضيعها من صميم الحياة وتوقيعها على اوتار حساسة في نفوس قارئاتها ،

