وعلى نظراتها الثاقبة الى الحياة وتمكنها بالتالي من اسداء الارشادات النافعة ، وعلى مقدرتها الادبية التي تجعل من مقالاتها قطعاً تقرأ كما قلت للذة كما تقرأ للفائدة . والتي تغطي الارشادات بقالب القصة فلا تنقر لذا القارئات الحداثات !
ومع ان حلقات هذه السلسلة ما برحت تنشر منذ نيف وخمس عشرة سنة ، فتجمع منها ما يملأ عدداً من الكتب ، الا ان كاثرين رينولدز ما زالت مجهولة لدى قارئاتها جميعاً ، وما زالت صاحبة السلسلة وخالقة پرودنس امرأة لا يعرفن عنها الا ان حروف اسمها الاولى ك . ك . ر . !
وقد كان مدعاة لاستغرابي من جهة ، ولغبطتي من جهة اخرى ، ان اجد ان السيدة رينولدز مطلعة كل الاطلاع على القضية العربية والمأساة الفلسطينية ، وناقمة على سياسة بلادها نحوها . ولمحت في حديثها نفورها من بعض نواحي الحياة في هذه البلاد ، وتعلقها الشديد بالسلام والطمأنينة ، فلم يكن غريباً ان اعلم انها تنوي السفر الى اوربا وقضاء بعض من الوقت في السويد والنرويج والدنمارك ، مرابع البراءة في دنيانا . واملها الاول ان يتحقق حلم العالم الواحد قبل ان تتصارع عوالمه الصغيرة وتقلبه لا شيء .
اما السيدة ليديا روبرتس فهي ايضاً تنشر كتاباتها في « كرستشن سينس مونيتور » لكن مقالاتها ومنظوماتها القصيرة تظهر كذلك في عدة صحف ومجلات اخرى في بوسطن وسواها . وقد نشرت منذ مدة كتاباً في ثلاثة اجزاء ، يضم اقاصيص مبنية على وقائع العلوم والطبيعة وتراجم الاشخاص ، يدرس الآن في المدارس للتلاميذ الذين تتراوح اعمارهم بين ٩ و ١١ .
ومع ان كتاباتها تضم عدداً من القصص ، الا ان مقالاتها تدور في الغالب حول ما وصفته بالمواضيع العادية الصغيرة . قالت : لا انزل مرة الى المدينة دون ان اعود بافكار وآراء وملاحظات تكفي لثلاث مقطوعات او اربع ، بل اني اجلس هنا في مكتبي فأجدني وسط اعمالي وواجباتي افتح دفتري الصغير لاسجل فيه رؤوس اقلام ، تنبثق عنها فيما بعد مقالات قصيرة ـ واردفت مبتسمة : وتنبثق عنها بعد ذلك حوالات مالية !
وقالت : لا ، اني لا اكتب ادباً عظيماً ، واترك لغيري من الادباء والاديبات الكتابة في المواضيع الكبيرة . يكفيني ان اكتب عما اشعر اني استطيع التحدث عنه والافادة فيه : عن كيف نستفيد من اوقات الفراغ ، مثلاً ، وكيف نحبب القراءة الى الاحداث ، وكيف نزرع في الاطفال الفضائل التي نرغب في
ان يتحلوا بها ، وكيف نجعل من موعد النوم لهم ساعة ينتظرونها بشوق لا محنة يودون لو تنقضي ، وكيف وكيف ...
وهي أيضاً تكتب مقالاتها بأسلوب طلي يجمع بين السهولة والمتعة ويخلو من التزويق اللفظي والصور المجازية . وترى أن الادب المنتزع من الحياة لا بد أن يلقى من القراء اقبالاً لا يلقاه الادب المصطنع مهما نُقي وزخرف .
والسيدة روبرتس أرملة لها من الابناء ثلاثة ومن الاحفاد خمسة ، اشتغلت في مكتبة هارفرد الرئيسية اثني عشر عاماً ، قضت الثلاثة الاخيرة منها مساعدة للكاتب المعروف جون سويني استاذ الادب في هارفرد ، في الاشراف على غرفة الشعر ، وقد تقاعدت في حزيران المنصرم وتنوي تكريس وقتها للكتابة .
وغرفة الشعر هذه جناح في مكتبة لامونت ، احدى مكتبات الجامعة واحدثها بناءً وتنظيماً ، اطلق عليه اسم « غرفة وديري الشعرية » تذكاراً لأحد اساتذة الشعر في اواخر القرن الماضي . وهي تضم جميع الكتب الرئيسية التي تبحث في الشعر وفي كتابات الشعراء العالميين عامة وشعراء انكلترا واميركا خاصة ، كما تضم جميع دواوينهم وسائر المجلات الادبية منذ نشأتها حتى اعدادها الاخيرة (١) ، وتعرض فيها مخطوطات بعض الشعراء ورسومهم ، وتحوي الفاً ومائتي اسطوانة سجلت عليها قراءات مختلف الشعراء المحدثين لمنتخبات ينتقونها كخيرة قصائدهم ، وقراءات لبعض القصائد التراثية للشعراء الاقدمين ، والاغاني الفولكلورية ، والمسرحيات المختلفة كما مثلت في مسارح نيويورك ولندن وسواها . وفي الغرفة عدد من آلات الاستماع تمكن حوالي ٢٥ شخصاً من استعمالها في آن واحد ـ دون أن تحدث من الضجة ما يمنع الموجودين من متابعة اجازتهم وقراءاتهم وتمتاز غرفة الشعر هذه بأنها ابهى قاعات المكتبة ، أثثت بالفرش الوثير وهندست حسب تخطيط لمهندس اوربي عهد اليه خاصة بتلك المهمة وأنيرت بمصابيح في شكلها الكثير من التفنن ورتبت محتوياتها بطرافة وابتكار . وهي ملتقى محبي الشعر قاطبة والمكان الذي يرتاحون في جوه ، فيسمعون الشعر ويقرأونه ـ ويكتبونه . بقي ان اقول ان غرفة الشعر هذه فكرة حديثة في الجامعات الاميركية ، لم تطبق بعد الا في عدد ضئيل من الجامعات الكبرى وعلى نطاق اضيق ، وان لهذه الغرفة « ميزة » اخرى : هي ان استعمالها بل والدخول اليها مقتصر على الرجال وحرام على اية من اعضاء الجنس الآخر الذي تنطق باسمه هذه المجلة !
