تأبطت ناديا ذراعي في ذلك اليوم الشتوي القارس ، وقد تكدست ذرات الثلج على زغب شفتها العليا ، وعلى خصلات شعرها المعقوص على صدغيها ، وكنا نقف على قمة جبل شاهق وقد اكتسى بالثلج فغدا وجهه اشبه بمرآة كبيرة تتطلع فيها عين الشمس ، وكان الى جانبنا مزلقة صغيرة مغطاة بقطعة من الصوف المصبوغ باللون الاحمر .
وقلت للفتاة متوسلاً دعينا ننزلق يا ناديا بتروفنا ولو مرة واحدة ، واؤكد لك بأننا لن نصاب بأذى وسنبلغ السفح بسلام .
ترددت في تلبية توسلي ، وكانت المسافة الممتدة من حذائها حتى سفح الجبل تبدو بعيدة الغور عديمة القرار فاذا رمت بنظرة من عل الى اسفل احست بأن روحها قد جمدت في جسمها ، وكان يخيل لها ان هي لبت رجائي وجلست الى جانبي في المزلقة بأنها صائرة الى الجنون او الهلاك حتماً .
قلت : ناديا .. هيا بنا .. اتوسل اليك بأن تجلسي في المزلقة فلا موجب الى هذا الخوف كله ، الا تفهمين بأن ليس لترددك هذا من تفسير سوى انه خور وجبن .
وبعد تردد تساهلت الفتاة وقد ارتسمت على محياها امارات المخاطرة بالحياة وجلست الى جانبي في المزلقة وهي شاحبة اللون ، ترتعد فرقا ، فطوقتها بذراعي وتطوحنا في الهوة السحيقة .
انطلقت المزلقة بنا كانطلاق السهم ، وكان الهواء الممزق يصفع وجهنا ويزأر ويصفر في اذاننا ويكاد ينزع رأسينا عن كتفينا من شدة غضبه وحنقه .. وكان ضغطه عنيفاً لدرجة انه حرمنا التنفس فتراءى لنا كما لو ان عفريتاً يقبض علينا ويجذبنا الى اعماق الجحيم . وكانت الاشياء المحيطة بنا تندمج ببعضها في خط مستقيم طويل يسابق الريح في هبوبه . وما هي الا لحظات حتى احسسنا ان الموت صار منا قاب قوسين او ادنى . ولما انتصفنا الطريق قلت للفتاة بصوت منخفض : احبك يا ناديا ! .
وبدأت المزلقة تتباطأ في اندفاعها شيئاً فشيئاً ، وخف زئير الريح وصفيره ، وعاد الينا تنفسنا الطبيعي ، واخيراً بلغنا سفح الجبل ، وكانت ناديا شاحبة اللون بطيئة التنفس ، وهي اشبه منها بالاموات منها بالاحياء فامسكت بذراعها واعنتها على النهوض .
فقالت لي وهي تحملق في وجهي بعينين واسعتين ملأهما الفزع : يستحيل ان اترحلق ثانية ولن يقوى احد في العالم على دفعي الى ركوب المزلقة ، لقد كدت اهلك .
وبعد قليل من الوقت ثابت الى رشدها وتطلعت في متسائلة أنت الذي تلفظ بتلك الكلمات الثلاث ، ام انني اشتبهت بسماعها اثناء الريح وصفيره ؟ .
وقفت الى جانبها ، ادخن ، واقلب النظر في قفازي ، ثم تأبطت ذراعها ورحنا نتنزه بالقرب من الجبل وكان اللغز يقلقها الى حد ما . فهل فهمت حقيقة تلك الكلمات ام لا .. نعم ام لا ؟ نعم ام لا ؟ .
ان لهذه المسألة صلة بالكرامة الذاتية ، بالشرف والحياة والسعادة ، انها لمسألة هامة جداً ، بل من اهم مسألة في الحياة ! .
وظلت ناديا ترمقني بتؤدة ، موجهة اليّ نظرة حزينة ثاقبة متوقعة ان اقول شيئاً .
اواه ، يا لهذا الوجه الصبوح ما اروعه ، اني لأراها تناضل نفسها ، ان لديها ما تحب ان تنفوه به ، تريد الاستفهام عن شيء يقلق بالها . لكنها لا تجد الكلمات اللازمة للتعبير عما يخلج نفسها ، انها لحيرة مروعة تعاكسها موجة من الغبطة والسرور .
ثم قالت دون ان تتطلع الى وجهي : اتعرف ؟ . قلت : ماذا ؟ . قالت : دعنا ننزلق مرة ثانية .
وصعدنا الدرج الخشبي العالي القائم على الجبل ، واجلست ناديا الممتقعة اللون ، المرتعشة القوائم على المزلقة مرة اخرى . وتطوحنا في الهوة السحيقة كالمرة السابقة فزأر الريح وصفر ، واذ كانت المزلقة في اقصى اندفاعها واعنف ضجيجها ، خاطبت ناديا بصوت منخفض : احبك يا ناديا .
وعندما بلغنا السفح ، القت الفتاة نظرة على الجبل الذي انزلقنا عليه ثم حملقت في وجهي طويلاً واصغت الى صوتي وكان هادئاً فاتراً غير مبال في حين انها كانت غارقة بكليتها في حيرة شديدة لا تفقه ما الذي حدث . ومن ذا الذي تلفظ بتلك الكلمات . زميلها ام الوهم ؟ .
لقد ازعج هذا الغموض المسكينة واخرجها عن حد صبرها فكنت احدثها وهي ساكنة مضطربة ساهية يكاد الدمع ينفر من عينيها .
ثم قالت وقد تورد وجهها : اني معجبة بهذا الانزلاق ! . هيا ننزلق مرة ثالثة ! .
وحين جلسنا للمرة الثالثة امتقع وجه الفتاة ، مثل المرة السابقة ، وانحبس نفسها وارتعدت فرائصها من شدة الرعب ، ولما اندفعنا الى اسفل اخذت تنعم النظر في وجهي ، وشفتيّ ، فاسرعت واخرجت منديلي من جيبي ووضعته على فمي وسعلت ،

