
وما ان انتصفنا الجبل حتى قلت لها من خلف المنديل بصوت منخفض : احبك يا ناديا !..
التزمت الفتاة الصمت واستغرقت في تفكير عميق ، وظلت تلك العبارة العذبة لغزاً من الالغاز يقلقها ويشغل بالها ، ولما حان وقت الاياب الى البيت سارت ناديا الى جانبي بخطوات وئيدة ، وكانت تتعمد التباطؤ في السير ، معللة النفس بان اسمعها تلك الكلمات ، ولحتها تضطرب وتتألم ، وهي تحاول اقناع نفسها بان ليس الربيع هو الذي كان يمس في اذنيها حديث الحب .
وفي اليوم التالي تلقيت منها كلمة تقول فيها : « اذا عزمت على الذهاب اليوم الى الانزلاق فعرج على بيتنا لنذهب معاً - ن »
ومنذ ذلك الوقت وانا ارافقها يومياً الى جبل الانزلاق ، وكنت في كل مرة ننزلق فيها ، اردد على مسمعيها بصوت منخفض تلك الكلمات المعهودة : احبك يا ناديا !..
وسرعان ما اعتادت الفتاة الاستماع الى هذه العبارة كما يعتاد المرء على شرب الخمرة ، او الاحتقان بالمورفين ، وغدت لا تقوى على الحياة بدونها .. حقاً ان القفز الى الهاوية ظل يدخل في روعها الذعر والرعب كما كان الحال في السابق .. الا ان تلك الكلمات العذاب التي طالما هددت سمعها كانت تسبغ على ذعرها وروعها لوناً لذيذاً من السحر والجاذبية .
لقد حاولت الفتاة عبثاً العثور على مصدر ذلك الصوت الذي يغازلها ، وقد وقعت شبهتها علي وعلى الريح .. فمن منا يسبق الاخر ويقر لها بحبه ؟ .. لا فرق لديها فيمن يكون السابق ، ما دامت لا تهتم بالقدح الذي تشرب منه بقدر اهتمامها بان تظل سكرى بنشوة الغرام .
وذهبت مرة بمفردي الى جبل الانزلاق ، واختلطت بجمهور المنزلقين ، فشاهدت
ناديا تقترب من القمة وهي تنظر الى ما حولها عني .. وكانت تبدو خائفة ووجهها ابيض شاحباً ترتعد من الجزع كما لو انها تساق الى منصة الاعدام ، لكنها كانت تسير صوب المزلقة بخطوات ثابتة وئيدة ، وقد عقدت النية على ان تختبر بذاتها اذا ما كان بمقدورها ان تستمع الى تلك الكلمات العذاب دون وجودي !.. اني لاراها تجلس في المزلقة مرتبكة فاغرة فاها من الوجل وقد اخفت عينيها براحتها وودعت العالم الى الابد .. وتحركت .
لست ادري فيها اذا كانت الفتاة قد سمعت ما احبت ان تسمعه ، لكنني رأيتها تخرج من المزلقة تعبى منهكة القوى ، وكان وجهها ينم عن ريبتها ان كان قد بلغ مسمعيها شيء اثناء انحدارها على الجبل ، لان الرعب على ما يبدو قد سلب منها قوة السمع ، والفهم ، وتمييز الاصوات .
وجاء شهر مارس ( اذار ) وحل الربيع ، وطلعت الشمس في تيه ودلال ، واخذ جبلنا الثلجي يسود ويفقد بريقه ولمعانه ، ثم ذاب الثلج بالمرّة ، وتوقفنا عن الانزلاق فحرمت ناديا المسكينة من سماع تلك العبارة العذبة ، فالرياح رحلت .. وانا اتأهب للسفر الى بطرسبورغ .. الى امد طويل .. وربما الى الابد .
وقبل سفري بيومين وفي احدى الامسيات جلست في حديقتي التي يفصلها عن بيت ناديا بعض العوارض الخشبية العالية ، وكان الطقس بارداً ، والصقيع ما يزح كامناً تحت الروث ، والاشجار تبدو ميتة برغم عبق الربيع الذي يفوح منها ، وطير الزاغ يملأ الجو صخباً وضجيجاً وهو في طريقه الى اوكاره ، فأقتربت من الحاجز ونظرت من احدى فرجه فرأيت ناديا تخرج الى شرفة بيتها حزينة كئيبة ، وترمق السماء بنظرة شاردة وهواء الربيع
يهب في وجهها المكتئب الشاحب ، فيذكرها بتلك الرياح التي كانت تهب على الجبل الثلجي فتحمل معها تلك الكلمات العذاب فيكفهر محياها ويسيل الدمع على خديها ثم تمد ذراعيها كما لو انها تسأل الهواء ان يعيد على سمعها ما اعتادت سماعه اثناء الانزلاق .. واذ هب الهواء قوياً اغتنمت الفرصة وقلت بصوت منخفض : احبك يا ناديا !..
رباه ما الذي جرى للفتاة ؟.. انها تصرخ فرحة طروبة ، وتبتسم جذلة سعيدة وقد ذراعيها ثانية لتستقبل الهواء .
وخرجت من الحديقة لأعد حقائبي .
حدث ذلك منذ امد بعيد ، اما الان
