وما ان بلغ في حديثه هذا الحد ، حتى صاحت به معذبة شاهقة :
- كفّ يا فواز !... بربك كفّ !... انك تعذب نفسك بهذه الافكار وتعذبني !...
- ما قصدت ذلك يا نهلة ... ولا شيئاً من كل ذلك !... ولكن ، ما العمل ، وانا كا انا ، وهذه الدنيا كما هي ؟!... لقد طُردت من بلدي فيما طردت المئات والالوف ، وفقدت اهلي وبيتي ورزقي وكل ما كان لي ، ثم جئت الى هذا البلد لاجئاً ، فيما جاءت مئات الوف اللاجئين ... حتى اذا عطشت ، وجعت ، وحفيت ، وعريت ، ذهبت للناس ، وقلت لهم : يا ناس لي عقل يفكر ، ولسان يجيد الكلام ، ويد تحسن مسك القلم والدفتر ... ولي اعصاب مجدولة ، وساعدان مفتولان يودّان ضرب المعول ، وظهر صلب متين يطيب لحمل الاثقال ورفع الأعتاب وشيّل الجسور ... فهلا شغلتوني ؟!... ولكني لم اجد الا وجوهاً واجمة ، وشفاهاً مقلوبة مزمومة ، وأصابع لا تشير الا بالهزء والازدراء والشماتة !... فماذا افعل ؟!... هل أرضى بهذه الجرعات المخدرة التي توزّع علينا في اول كل شهر او آخر كل شهر ؟!... هل أقنع بهذا النوع من الكيان ، فاخدع نفسي فيما يخدعني جميع الناس ، فاعيش كما تعيش الدواب ، وأوجد كما توجد الصخور ؟!... ماذا
افعل ؟!... قولي لي !... أأقف على قارعة الطريق ، واستعطي الذاهبين والآيبين ؟!... ام اسطو على البيوت ؟!.. ام اقتل ؟!... ام ...
وقبل ان يتمّ هو كلمته ، او تحاول هي اسكاته ، بلغها نداء صاحبها الناطور وقد قاربا عرزاله :
- ميلا الى الكرم ، يا ضاحي ، ميلا !... لقد قطفت التفاح امس !... أفلا تودّان عض تفاحة ، او تفاحتين من تفاحات ابي مصعب ؟!...
- شكراً !... إننا قادمان اليك ، يا عمّ ، يا أبا مصعب !...
قال فواز هذا ماوحاً بيده ، ثم هتف ، وهو يحدق في أعلى التلة ، وقد هبّت عليها ريح الكروم :
- هبّي !... يا ريح الكروم ، هبّي !... وخبّرينا عن كروم الجنوب !... ما عندنا ؟!... هل قطفوا التفاح ؟!... هل دبّسوا الرمّان ؟!... هل عصروا العنب ؟!... هل جففوا التين ؟!...
حتى اذا رآها تحتك به ، باكية على كتفه ، تابع كلامه ، وهو يشبك يده بيدها ، ثم يهدفان الى العرزال :
- هذه الدنيا صغيرة يا نهلة مهما كبرت !... واكبر دنيا للانسان هي بلده وبيته واهله وخلانه !... ولولاك يا نهلة ... لولاك ...
★
وتمرّغت نهلة على كمه ، ترويه دمعها الساخن ، وتشبعه لثاتها اللاهبة ،
حتى اذا رفعت وجهها قليلاً لتبسم في وجهه ، ترأى لها من خلال جفونها البليلة ذلك العرزال المتربّع على القمة ، وقد وقف بالقرب منه ابو مصعب ، وبدا من خلفها سحاب خضيب بلون الورود والرياحين !...
والتفتت الى تلك الورود والرياحين ، وهي تتذرذر في القبة ، وكأنها تخاف ان تتساقط على تلك الاشجار والصخور التي تتمطى فوق الهضاب وتتناب ، او تترامى على تلك البساتين الخضراء التي تستيقظ في السهل المنبسط المديد ، او تتناثر على تلك القراميد الحمر والقباب التي بلون الرماد وهي تصبّح الخليج الهادي الازرق !...
ومرّ في سمعها ، وهي بعد عالقة بزرقة البحر التي تتصل بزرقة الافق وتغيب في زرقة السماء ، مرّ في سمعها رجفة ناي آتية من بعيد ، فالتفتت فاذا مصعب قد ركب حمارته ، وراح يصعد الدرب الملتوي نحو أبيه ، ونغمة نايه عذبة حنون كما كانت تتردد في تلك الصباحيات الحالية في عذوبة وحنان ، لولا شيء يشوبها حيناً كالجراح ، وحيناً كالوثوب والشموخ ، حتى لكأنها تخرج من قلبها ثم تعود وتتردد فيه ، وكأن قلبها اخدود عميق ، او واد سحيق ما ينفك يتسع ويضيق فيذكرها بصوت فواز الذي يوشوش حولها في ثورة ، ويذكرها بوجه فواز الذي يتململ حولها في هياج ، حين كان يحدثها عما يدور في ذهنه من افكار لبعث روح الجهاد في نفوس اللاجئين ، فاذا افكاره تصبح اقوالاً ، واذا اقواله تمسي اعمالاً ، واذا هو بين ليلة وضحاها يقود مئات والوف اللاجئين واللاجئات ، في مدى الدرب والبساتين ، وعبر الطرق والشوارع والساحات ، وقد رفعوا مزق القمصان على الاعواد او خرق الفساتين ، جعلوها رايات

